مسؤولون فجروا غضب الملك محمد السادس

____________

“يكفي شيء واحد لينتصر الشر.. أن لا يفعل الصلحاء شيئا”
ايدموند بورك
هناك جملة من الأحداث والنوازل كانت سببا في غضب الملك محمد السادس، ومنها أحداث ونوازل كان مآلها أحيانا إبعاد جملة من المسؤولين الكبار

6940909_m_1_

فاحت رائحة

فسادهم وسوء تدبيرهم للمسؤوليات التي اضطلعوا بها، ومنهم مدنيون وعسكريون، لا يمكن الوقوف على جميع حالات غضب الملك، لكن يمكن  ةالتطرق لبعض الحالات همت أكثر من مجال، منها مجال المخدرات التي اعتمدها البعض كسياسة تجارية والسياحة الجنسية كوسيلة لتفعيل القطاع، والكذب على الملك كنهج لتدبير بعض الملفات الأمنية..
كثيرة هي حالات غضب الملك محمد السادس على جملة من القائمين على الأمور وجميعها للاضطلاع بمسؤوليات كبيرة، منها من تابع المغاربة كل حيثياتها ومنها ما ظل غائبا عن الأنظار لكن تجلت نتائجه بفعل قرارات أو إجراءات اتخذت، دلت عن عدم رضا الملك على هذه الجهة أو تلك، أو غضبه على هذا المسؤول أو ذاك.
من بين المحطات التي تابعها المغاربة، غضب الملك الشديد لحظة اكتشافه للواقع المزري لخيرية عين الشق بالدار البيضاء، إذ أمر على الفور فتح تحقيق في النازلة.
وكانت الغضبة الملكية شديدة بقدر فداحة سوء التدبير والتسيير واستشراء الفساد اللذان مازال يطالان الكثير من الإدارات والمؤسسات الاجتماعية.
وبمناسبة حالات غضب الملك بخصوصها وجملة من النوازل، برز من جديد سؤال مركزي شَغَلَ بال الكثيرين بالمغرب وخارجه، مفاده هل الملك محمد السادس يسعى إلى الإصلاح فعلا، أم يقتصر على إصلاح ما يفسده نهج الدولة والحكومة في تدبير الأمور؟ ومن يقف في وجه الإصلاح الذي أقر به الملك محمد السادس وأغلبية النخب؟ ومن يخشى الإصلاح؟ والداعي لهذه الأسئلة، كون مجال الإصلاح وتدبيره في مختلف المجالات والقطاعات من الإشكاليات التي كانت سببا في حالات كثيرة لغضبة الملك في السنوات الأخيرة.
كما أن هناك بعض الإصدارات التي ساهمت في حالات غضب الملك، لاسيما منها الكتب التي ألفها بعض المغاربة، ومن بينها كتاب الطوبجي “ضباط صاحب الجلالة” على سبيل المثال لا الحصر، ليس بفعل ما تضمنه من حقائق وأحداث، ولكن بفعل افتقاره أحيانا للدقة بخصوص بعضها، على أنه في آخر المطاف اعتبر الملك محمد السادس أنها ضريبة الإقرار بحرية التعبير والرأي كاختيار لا رجعة فيه.
أما بخصوص الصحافة لا يمكن وضعها في سلة واحدة، لأن هناك بعض المنابر مازال مغضوبا عليها، مبعدة من كل اللقاءات المهمة لأنها، ربما، اختارت عدم تكرار الخطابات الرسمية كلمة بكلمة دون حشر أنفها في محاولة التساؤل أو عرض آراء ووجهات نظر مختلفة، ولعل آخر حدث بدا فيه أن القائمين على الأمور مازالوا يتعاملون مع بعض المنابر بنوع من الريبة، وربما العداء أحيانا
، هو اللقا7953234_m_1_ء

بالصحافة الوطنية بعد انفجارات الدار البيضاء الأخيرة وعرض مشروع الحكم الذاتي بالأقاليم الصحراوية وطرح إشكالية الصحافة وتنظيمها، وفي هذا الصدد تساءلت أكثر من جهة، هل المنابر غير المدعوة لحضور تلك اللقاءات هي التي تسبب غضب القائمين على الأمور اعتبارا لطريقة تعاطيها مع الأحداث وقراءتها لها، هذا في وقت حققت فيه العائلة الملكية خطوة هامة في تمكين منبرين مغربيين من الفوز بلقاء معها لأول مرة في تاريخ الصحافة المحلية، وحسب إحدى المصادر مازالت بعض المنابر تتسبب في غضبة الملك من حين لآخر.

zert

ما هي أسباب غضب الملك محمد السادس في السنوات الأخيرة؟
حاول بعض المحللين وضع اليد على الأسباب الحقيقية لهذا الغضب انطلاقا من تحليل وفهم ما يجري على أرض الواقع المعيش، منظورا إليه من زوايا معالجة مختلفة، وفي خضم هذه المحاولات صادف المحللون جملة من التساؤلات منها: هل الملك يسعى فعلا للتغيير والإصلاح؟ وهل هناك من يريد توريطه في اختيارات أو مواقف بعينها؟ وهل هناك لوبي فاعل لمعاكسة مجرى التغيير الذي طالما انتظره المغاربة؟ ولماذا لم يعد الملك يحضر مجلس الوزراء؟ وهل عمل الحكومة والوزراء عرقل المبادرات الملكية الساعية للتغيير في جملة من المجالات؟ وما هو مدى تأثير فساد الأحزاب السياسية وفساد الجنرالات على مسيرة التغيير التي يقودها الملك حاليا؟ وما هو دور المحيطين به في تفعيل وترسيخ هذه المسيرة؟
7950959_m_1_
إنها أسئلة أضحت بارزة الآن، أكثر من أي وقت مضى، وذلك بفعل التحديات والرهانات التي يعيشها المغرب، وهذا ما جعل الكثير من المحللين يخلصون إلى ضرورة فتح حوار شامل وشفاف حول القضايا الكبرى، لاسيما للنظر في عوامل التفريط في الفرص التاريخية المتاحة للمغرب للخروج من وضع الأزمة سعيا لعدم التفريط مرة أخرى في الفرص المتاحة حاليا، ووضع اليد على أسباب الشلل السياسي الذي لا زال يصبغ الحياة السياسية المغربية، وعلى السبل الممكنة والقابلة للتطبيق فورا والكفيلة بالتصدي لشعور الإحباط واليأس الرامي بظلاله على أغلب الشباب المغربي، وهذا أمر يهم الجميع الآن بدون استثناء لتوقيف المزيد من تردي الأوضاع، كما أنها حالة لم تعد تحتمل أي نوع من أنواع الصمت، وذلك باعتبار أن بلادنا تجتاز مرحلة انتقالية، وهي مرحلة صعبة بالنسبة لأي بلد، لاسيما وأن سيرورة الانتقال من نهج تدبير الحكم إلى نهج آخر للتدبير، مازالت تعرف عراقيل من طرف جهات معلومة، سواء بأساليب ظاهرة أو بأخرى مازالت مستترة لكن تأثيراتها وانعكاساتها تفضحها وتدل على وجودها، وهذا في ظل استمرار حضور خليط غير مسبوق من المؤسسات الضعيفة والمستضعفة والآمال المحبطة بل المغتالة أحيانا، فالبرلمان والأحزاب السياسية، كمؤسسات لم تساهم فعلا في بلورة السبل لإعادة الهيكلة السياسية القمينة بترسيخ التغيير، وظلت غارقة في سياسات انتظارية لم يسبق أن اهتمت باستئصال المعضلات الكبرى من جذورها، بل على العكس من ذلك ساهمت في مواكبة انعكاساتها السلبية لدرجة أضحى الآن من الصعب بمكان التعامل معها (لاسيما التهميش والإقصاء والبطالة والسكن غير اللائق والفوارق الاجتماعية الصارخة والفقر وإشكالية الشعور بالانتماء…)، وهكذا ظلت السياسات المتبعة تبرمج الفشل تلو الفشل.
إن المشاكل الكبرى التي يعيشها المغاربة معروفة الآن لدى العام والخاص، ومنها التهميش الاقتصادي والإقصاء الاجتماعي لأوسع فئات الشباب الحضري والقروي ومعضلة الهجرة السرية واستمرار تفشي الأمية وصعوبة جلب الاستثمارات الأجنبية إلى المغرب والتي بدونها لا يمكن تفعيل آليات التنمية المستدامة… هذه وغيرها من المعضلات الكبرى، لا يمكن الآن إعداد سياسات فعلية ومجدية، ممكنة وقابلة التطبيق للتصدي لها في الكواليس، وإنما يحتاج التصدي لها نوعا آخر من السياسات المعتمدة، سياسات تعتمد على حقيقة مفتوحة شفافة وصريحة.

yujki
من الأمور التي أثارت الغضب الشديد للملك محمد السادس حالات ثبوت ممارسة التعذيب في حق جملة من الأضناء، ولعل أبرزها نوازل متعلقة بالاعتقالات في صفوف المتطرفين وملف السطو على القصر الملكي بمدينة مراكش ونازلة تقنيي الخطوط الجوية الملكية التي أشرف على التحقيق بخصوصها كل من الجنرال حسني بنسليمان والجنرال حميدو العنيكري، هذا في وقت يعتبر الملك ضامن الحرية والعدالة.
بعد أن تعرضوا للتعذيب لم يلجأ مستخدموا القصر الملكي بمراكش،
المتهمون بسرقة البلاط، للعدالة للمطالبة بتفعيل القانون ضد الجلادين وإنما فضلوا اللجوء إلى الملك محمد السادس لالتماس الإنصاف.
إن التعذيب المقترف في حق هؤلاء وفي حق الآخرين، قام به رجال تابعون للدولة وقاموا به باسم الدولة ولفائدة الدولة، وليس لصالحهم الشخصي أو بعزلة عن طبيعة وظيفتهم، لذا فالمسؤولية واقعة على الدولة التي تتجسد في أشخاص ضمن مؤسسات: الحكومة والوزراء والبرلمانيون القائمون

على المصالح الأمنية.. أي على أشخاص

10388481_p

بعينهم اعتبارا لمسؤوليتهم، من أمثال إدريس جطو وفؤاد عالي الهمة وشكيب بنموسى ومحمد بوزبع وحسني بنسليمان وحميدو العنيكري وغيرهم، وكذا بخصوص قضايا سلط عليها الإعلام الأضواء الكاشفة، ناهيك عما يقع بالنسبة للمواطنين العاديين دون علم الصحافة به.
إن ما حصل لحميد الشافعي ومن معه في نازلة محاولة تخريب الطائرة المدنية وما حصل للمعتقلين بمخفر جامع الفنا بمراكش في نازلة سرقة البلاط وللشرعي بآسفي وغيرهم، وهي قضايا تابعها المغاربة عبر الصحافة، كانت كلها سببا في غضب الملك.
وقبلها كانت قضية معتقل تمارة وما نشر بصدده سواء بالداخل أو بالخارج.
إن ما يغضب الملك محمد السادس كذلك هو نهج تعامل المصالح الأمنية مع المواطنين الذي بدأ باستعمال العبارات النابية المروجة في التحقيق، وأحيانا كثيرة فرض عليهم التوقيع على محاضر دون علمهم الفعلي والدقيق بمضمونها كما ينص على ذلك القانون الجاري به العمل، والقيام بتفتيش مقرات السكنى بدون أمر قانوني يرخص ويسمح بذلك، يُدلى به للمعنيين بالأمر قبل مباشرة العملية حسب قواعد وإجراءات تحترم الكرامة ولا تدوس عليها، واعتقال أشخاص دون توفير إعلان مسبق بأمر الاعتقال يدلي به رجال الأمن إن طلب منهم ذلك من طرف المعني بالأمر أو ذويه حتى يشعر المواطن بالأمن والآمان وأنه مقبوض عليه في إطار القانون وليس على هامشه.

ertg

ظل الغموض يلف المؤسسة العسكرية، إلا أنه بدأ ينزاح في عهد الملك محمد السادس بعد أن تكسر “الطابو” وأضحى الحديث عن هذه المؤسسة

مباحا ككل المؤسسات، ومنذ بداية الحديث عنها انكشف الفساد المستشري فيه

ا7684012_m 

وجملة من جنرالاتها، الشيء الذي كان سببا يكاد يصير مستداما لغضب الملك على الكثير منهم، وظلت درجة الغضبة تزداد كلما تناسلت فضائحهم وتم كشفها في البداية بفضل شجاعة بعض الضباط الذين أدوا الثمن غاليا لاختيارهم البوح بجزء مما ظل مستورا.
تكاثرت حالات الغضب الملكي على جملة من الجنرالات كلما انفضح أمر أحدهم، لاسيما وأن جملة منهم استغلوا مواقعهم لمراكمة ثروات هائلة بفعل استشراء الفساد، هذا علاوة على الامتيازات الكثيرة في البر والبحر التي حظوا بها ومكنتهم من ولوج حلبة رجال الأعمال، وأضحوا الآن يشكلون ثقلا اقتصاديا فرض نفسه فرضا في جملة من دوائر صناعة القرار السياسي والاقتصادي.
ومنذ 2002، صرح إدريس البصري في إحدى خرجاته الإعلامية أن الملك محمد السادس سيقوم “بتنظيف” جملة من المؤسسات، وعلى رأسها الجيش والمصالح الأمنية، وبعد فترة وجيزة بدأت مسيرة التخلص من تركة الملك الراحل الحسن الثاني بخصوص الجنرالات، وتلا ذلك تنحية الجنرال حميدو العنيكري من الأمن الوطني، وتناسل القيل والقال حول الجنرال حسني بنسليمان أحد آخر ديناصورات العهد الحسني بمعية الجنرال عبد العزيز بناني.
فبعد أحداث 16 ماي 2003 انطلقت عملية التخلص من الجنرالات بمعدل واحد أو اثنين كل سنة، ولم يبق الآن إلا الثنائي المذكور، رغم أن الأول ظل على الدوام في خط التصويب بالنسبة للجمعيات الحقوقية والفعاليات المدنية المهتمة بحقوق المواطنة وورود اسمه في جملة من الملفات الحقوقية والرياضية الساخنة، أما الثاني فقد ارتبط اسمه بدوائر تنمية المصالح الذاتية واستغلال الفرص للمزيد من اصطياد المنافع في البر والبحر في ظل استشراء الفساد في تدبير شؤون الجنود، وقد ساعده قيامه على رأس ثلاث أرباع من الجيش على مراكمة ثروة طيطانيكية، ومنذ فبراير 2007 أصبح هذا الثنائي، بنسليمان – بناني، موضوعا مستداما في الصفحات الأولى للكثير من المنابر، بل ذهبت إحدى الصحف إلى نشر معلومات عن تورط أحد معارفه في قضية ترويج الكوكايين المارة عبر الصحراء.
وبخصوص الجنرال حسني بنسليمان برزت قضية اختطاف واغتيال المهدي بنبركة من جديد في بداية هذه السنة، وزاد حرج الجنرال بفعل بعض تصريحات إدريس بنزكري في هذا الصدد، ومنذئذ ظل المغاربة ينتظرون حلول ساعة نهاية مشوار هذين الرجلين.
ومن دواعي الغضب الملكي على جملة من الجنرالات ظهور بوادر تفيد أن المؤسسة العسكرية ليست بمنأى عن الاختراق (اختفاء بعض الأسلحة، تورط بعض الجنود، نهاية خدمة بعضهم على حين غرة بسبب ميولاتهم الدينية حسب ما أشيع..).
ويظل حميدو العنيكري الجنرال الذي حظي بحظ كبير من الغضبة الملكية، أولا بفعل فشله على التنبؤ بتطور الإرهاب ببلادنا رغم المؤشرات التي كانت تدل على ذلك، علما أن حالة غضب الملك اشتدت أكثر بعد رجوع نور الدين بنبراهيم، الرجل الثاني بالديسطي آنذاك، من ليبيا، حين قام باستنطاق عبد الكريم مطيع (مؤسس الشبيبة الإسلامية) بحضور نجل معمر القذافي، آنذاك كان غضب الملك قد شمل كذلك الجنرال حسني بنسليمان وبنوهاشم، خصوصا عندما علم الملك محمد السادس بأن القاضي الفرنسي “بروغيير” قد وجه تنبيهات إلى المخابرات المغربية تهم قرب استهداف المغرب، وذلك قبل أحداث 16 ماي 2003 الدامية بالدار البيضاء بأيام معدودة.
كما أن انكشاف قضية “بين الويدان” ساهمت في تأجيج الغضب الملكي على الجنرال حميدو العنيكري، وكانت بمثابة الضربة القاضية لمشواره الوظيفي الطويل.

edfrvcbgh
من مسببات غضب الملك محمد السادس تفسخ الخريطة الحزبية والاتجار في الأصوات ومافيات توظيف المال، كوسيلة للاستمرار في ترسيخ الفساد وتفويت فرصة تفعيل تغيير العقلية السائدة في نهج تمثيل المغاربة في المؤسسات التشريعية.
ومن المعلوم أن هذا النهج يفرغ رغبة التغيير أو الإصلاح من محتواها،
621050335 وبالمقابل يعرض البلاد للمزيد من الخطر بفعل اتساع دوائر عدم الرضا عن السياسات المعتمدة ونهج الحكم، وبالتالي هدم أسس الشعور بالانتماء، وهذا أمر خطير وخطير جدا لا مناص من أخذه بعين الاعتبار قبل فوات الأوان حتى لا يعيد التاريخ نفسه بصورة أكثر قسوة من الماضي.
إن تناسل الأحزاب السياسية، إذا كان إيجابيا في ظاهره وشبه حتمي اعتبارا لطبيعة سيرورة التوالد السياسي منذ الاستقلال، فإنه في باطنه لا يخلق شروط إغناء الحوار وتعدديته في اتجاه التأثيث لمشهد سياسي مستقر، وبذلك يبدو أن المغرب سوف لن يكون مستعدا لبلورة رؤية واضحة المعالم ومحددة المقاصد لتفعيل التغيير الذي طالما انتظره المغاربة، وهو المؤدي إلى انطلاقة آليات السعي وراء عدالة اجتماعية لبداية خروج البلاد من الحيف والظلم الاجتماعي الذي ساد أكثر من أربعة عقود، لأنه بدون هذه الخطوة ستفرغ كل الخطوات المحققة إلى حد الآن في مجال حقوق الإنسان والإقرار بدولة الحق والقانون والمؤسسات، من محتواها ومضمونها الحقيقي، لذا أضحى الكثيرون يرون أنه غدا مطروحا تجديد الأحزاب السياسية، شكلا ومضمونا، نهجا وخطا وممارسة وتعاملا مع الجماهير بل فعلا في الركح السياسي، فالمغرب والمغاربة بحاجة ماسة إليها قصد الانتصار على الإحباط واليأس، من أجل وضع حد للانتظار الطويل.
وبذلك يتجلى غضب الملك على الأحزاب السياسية بفعل ما يرتبط بدرجة نضجها وتفاعلها مع الفترة الانتقالية، عبر انتصاره للتقنوقراط. وفي هذا الصدد سبق لعبد الرحمن اليوسفي أن قال، بمناسبة تعيين إدريس جطو وزيرا أولا، إنه كان ضدا على المنهجية الديمقراطية، علما أن الكثير من المحللين السياسيين رأوا في اعتماد الملك على التقنوقراط جوابا على تمادي الأحزاب السياسية في عقد تحالفات غير طبيعية وغير سليمة للظفر بمنصب الوزير الأول. كما رأى البعض أن انعكاسات غضب الملك على الأحزاب السياسية ساهم في إقبار 5 سنوات من تجربة كانت متجهة نحو البحث عن التناوب لكن المآل تغير، فأصبح ما يهم الأحزاب السياسية منذئذ هو لغة المقاعد والحصص عوض التنافس على محك البرامج المقترحة، وتأكدت الصورة أكثر باضطلاع اللجن الملكية بأكبر المهام وأكثرها حيوية بموازاة مع استمرار تراجع الحكومة.

_________________________________

منذ أن علم الملك محمد السادس بمراقبة هواتف عدد من المرشحين لانتخابات تجديد ثلث الغرفة الثانية انتظر النتائج، ومع انفضاح أمر 11 مستشارا و5 برلمانيين وجماعة من المنتخبين الجماعيين، غضب وتأجج غضبه بفعل المظاهر البارزة للفساد البين لهؤلاء،928970080_small 

علما أن ما تم اكتشافه لا يمثل إلا الجزء الصغير من جبل الجليد العائم وما خفي وتم التستر عليه أدهى وأمرّ.
38 شكاية أودعت لدى المحاكم وعرضت ملفاتها على أنظار القضاء وهمت أكثر من 60 مشتبها بهم، حيث عكف القضاء، وبسرعة غير معتادة، على النظر في النوازل وصدرت أحكام تتراوح ما بين 8 و18 شهرا بالسجن النافذ أو بإيقاف التنفيذ وبغرامات مالية تقدر ما بين 50 ألف و70 ألف درهم، علاوة على الحرمان من الترشيح لولايتين نيابيتين.
انتفضت بعض الأحزاب السياسية، حزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية والحركة الشعبية، منددة “بلا حشمة ولا حياء” بما أسمته بالحيف والظلم والاستهداف للنيل منها عوض المناداة بتعميم المساءلة والمتابعة والمحاسبة على كل مشتبه به بهذا الخصوص، عندما تمت تبرئة المرشح الاتحادي، الشيء الذي استغرب له الجميع ودعا إلى الكثير من الشك، وبذلك أضحت الزلة زلتين.
وفعلا كانت هذه الأحداث تستوجب غضبا ملكيا، بفعل طبيعتها ومدلولها، كما استوجبت تأجج الغضب الملكي بفعل نهج التعاطي معها من طرف زعماء الأحزاب السياسية التي انكشف أمر بعض المنتسبين إليها. وبدا كأن أحزابنا، لاسيما العتيقة منها، تستحسن تكريس قوة المال واستمرار استشراء الفساد الذي مازال ساريا في مجتمعنا، فكيف لا يغضب الملك، وجهاز الدولة بكامله ورمته تحت إمرته المباشرة، وهو جهاز من المفروض أن يكون همه الأول والأخير خدمة الصالح العام.
وقع هذا رغم أن الملك محمد السادس، في جملة خطاباته تحت قبة البرلمان، ظل يدعو البرلمانيين إلى القيام بدورهم كاملا في ميدان التشريع ومراقبة العمل الحكومي وفق الأدوات المتاحة، ولتكون الأدوات القانونية قاطرة للعمل الاجتماعي ورافعة اقتصادية عوض أن تتخلف عن ركب التطور الاقتصادي والاجتماعي.

aszedftghyju
ساهم التعاطي مع ملف الصحراء في غضب الملك في لحظة من تطور التعاطي مع القضية سواء من طرف وزارة الداخلية أو وزارة الشؤون الخارجية أو الكوركاس.
كما أن لبعض الأحداث التي كانت الأقاليم الصحراوية
مسرحا لها، دورها في الغضبة الملكية التي أدت إلى إحداث خلية تهتم بالشؤون الصحراوية بوزارة الداخلية يرأسها عمر الحضرمي (علي العظمي)، وهو أحد العناصر الذين ساهموا في بناء مخابرات البوليساريو قبل عودته والتحاقه بالوطن الأم استجابة لنداء “إن الوطن غفور رحيم” قبيل قيام انتفاضة مخيمات الحمادة تنديدا باستبداد قادة البوليساريو بهم وقمعهم.
وتضم هذه الخلية إضافة لعمر الحضرمي، محمد رشيد دويه وخليل الدخيل، وكلهم رجال سلطة في درجة والي، الأول سبق أن كان عاملا بسيدي قاسم ثم سطات والثاني والثالث عاملان بالأقاليم الصحراوية.
وقد رأى البعض أن تعيين عمر الحضرمي على رأس خلية الشؤون الصحراوية تم بفعل دعمه من بعض الأشخاص المقربين من الملك من أجل التقليل من سلبيات نهج التعاطي مع الملف من طرف خليهن ولد رشيد، وكذلك لضبطه مستقبلا، علما أن لا علاقة تربطه بالولاة الثلاث.
ومن جهة أخرى وجبت الإشارة إلى بداية بروز بعض الأفكار التي تحاول ربط قضية الصحراء بالإشكالية الأمازيغية، ومحاولة ليّ عنق جملة من المعطيات التاريخية بعد عزلها عن سياقها العام والطبيعي لإلصاق إشكالية الصحراء بأطروحة “تمزغة” العزيزة جدا على بعض الأمازيغيين، على امتداد بلدان المغرب العربي وفي جنوب الصحراء، وفي هذا الصدد شرع نفر من الأمازيغ في الارتكاز على تسمية الأماكن والمناطق الصحراوية للتأثيث لأطروحتهم، وذلك بربط أسماء من قبيل إنزران وكلثة زمور وامليل وأكونيت وتيفاريتي وأوسرد وتندوف ببناء أطروحتهم في أفق سحبها على شمال وجنوب وشرق المغرب، وكل هذا في إطار تصور فدرالي مزعوم يطلقون عليه “تمزغة الغربية”.
هذا في وقت ترى فيه الدول الغربية الكبرى ضرورة إحداث مغرب عربي منفتح كليّا، اقتصاديا، متصديا للإرهاب والهجرة السرية، ومشكلا سوقا سلسا لمنتوجاتها وفضاءا لتوظيف رؤوس أموالها لتحقيق أرباح بدون عناء.

تقارير أغضبت الملك

هناك جملة من التقارير كانت سببا في غضب الملك، منها تقارير صادرة عن مؤسسات وأخرى صادرة عن أشخاص، ومن التقارير التي أغضبت الملك محمد السادس، التقرير السري للدبلوماسي الفرنسي “دونيس بوشار”، الرئيس السابق لمعهد العالم العربي والمستشار بالمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، ظهر هذا التقرير في منتصف شهر فبراير 2006 تحت عنوان: “المغرب، حصيلة وآفاق”، ومما جاء فيه إن المغرب معرض للخطر الإرهابي أكثر من أي وقت مضى [..] والخطاب الرسمي ظل يسير في اتجاه اعتبار أن الإرهاب مستورد ودخيل على المغرب، في حين يعتبر 44 في المائة من الشباب المغربي (بين 16 و29 سنة) أن تنظيم “القاعدة” ليس تنظيما إرهابيا، كما تساءل “دونيس بوشار” في تقريره حول شخصية الملك محمد السادس وبخصوص أهداف النظام الملكي ومآل الديمقراطية كما يتصورها القصر الملكي، لاسيما الإقرار بملكية دستورية، حيث شكَّك في إمكانية تحقيق ذلك.
ويضيف “بوشار” أن المغرب يفتقد وجود شخصية قوية من عيار الملك الراحل الحسن الثاني ينذر ببعض التموجات وسط الدوائر المحيطة بالحكم.
ومن التقارير الأجنبية التي أغضبت الملك، “تقرير ماكنزي” الذي رسم وضعية متأزمة للمغرب، إذ أقر أن بلادنا لازالت لم تتوفق في وضع اليد على طريقة مجدية وفعالة لإطلاق آليات التنمية الاقتصادية، وأن النخبة منهمكة في الدفاع عن مصالحها والمكاسب التي حققتها في ظل النظام، مؤكدا أن المنحى العام هو السير في منحدر الهبوط، اقتصاديا واجتماعيا، عوض الصعود كما تتطلب ذلك مرحلة انتقالية صعبة جدا كالتي يعيشها المغرب الآن؛ حسب تقرير ماكنزي لازال منحى منحدر النمو الاقتصادي ببلادنا سائرا نحو أسفل المنحدر وليس في اتجاه الأعلى، هذا في وقت تحتاج بنيته الاقتصادية والاجتماعية نسبة نمو لا تنزل على 7 في المائة في انتظار تأثيرات شاملة وتوقيف الانحدار نحو الأسفل، وهي نسبة يجب تحقيقها على امتداد عشر سنوات على الأقل لتحقيق انطلاقة شاملة ومستدامة.
وهناك كذلك تقرير “هيومن رايتش ووتش” الذي صدر في نفس الوقت مع تقرير “ترانسبرانسي”، وقد خصص الأول حيزا كبيرا للصحراء، واعتبره القائمون على الأمور متجاوزا لحد لن يسمحوا به. وقد ساهم هذا التقرير في تأجيج غضب الملك خلال فترة نشره.
من التقارير المغربية التي ساهمت بقدر في غضب الملك محمد السادس، تقرير ترانسبرانسي المكون من 60 صفحة والصادر في بداية سنة 2007، والذي جاء فيه أنه مهما كانت نتائج الانتخابات القادمة (استحقاقات 2007)، لا يمكن للمنتخبين أن يؤثروا، لا من قريب ولا من بعيد، على مجرى المسار، لاسيما بخصوص التأثير السياسي، باعتبار أن سلطة البرلمان محدودة، أي بعبارة أوضح، دار لقمان ستظل على حالها. في حين اعتبر بعض زعماء الأحزاب السياسية أن تقرير ترانسبرانسي بمثابة دعاية مجانية لحزب العثماني.
يخلص هذا التقرير إلى المطالبة بإجراء انتخابات شفافة ونزيهة، مع تسطير أنه في ظل استمرار استشراء الفساد والرشوة سيتأكد من جديد فقدان الأحزاب لثقة المغاربة، وقد تجلى هذا في عدم قدرتها على اقتراح مبادرات سياسية أو تفعيلها في البرلمان وباعتبار أن لا شيء بَدَلٌ لأي تغيير في هذا الصدد، بحيث يبدو أن الانتخابات المقبلة لن تحدث القفزة المنتظرة.

زلزال الحسيمة

من القضايا التي أججت غضبة الملك محمد السادس، طريقة التعاطي مع زلزال الحسيمة.
غضب الملك غضبا شديدا على الحكومة وغلى بعض معاونيه وبعض كبار المسؤولين، لاسيما أن أشخاص فاسدين استغلوا الظرف استغلالا بشعا رغم أنهم كانوا أمام كارثة إنسانية تستوجب التضحية ونكران الذات.
لقد انكشفت مفارقات غريبة، أبرزها أنه لاحت، عقب الزلزال، فرص تاريخية نادرة كان بإمكانها إحداث تغييرات كبيرة وعميقة في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ولدفع القائمين على الأمور إلى إدراج قضايا التهميش والإقصاء التي عانت منها المنطقة في جدول أعمال الحكومة، لكن وزراءنا، كل في مجال اختصاصه، ظلوا عاجزين عن استيعاب الأهمية الحاسمة لتلك الفرصة التاريخية التي أتاحها الزلزال – إن صح التعبير – إذ تم الاكتفاء بتمرير برامج إعادة الإعمار في سقفها الأدنى المنخفض، وكذلك الشأن فيما يرتبط ببرنامج التنمية المحلية والإقليمية.
وتفاعلت هذه الأسباب وأخرى غيرها لتأجيج غضبة الملك محمد السادس بخصوص التعاطي مع فاجعة زلزال الحسيمة.

عفو وغضب ملكيان

لا يمكن نكران أن منظومة العفو الملكي عرفت إصلاحا جوهريا وتغييرا بنيويا في عهد الملك محمد السادس، إلا أن هذا الإصلاح وهذا التغيير، قد تقلصت أحيانا نتائجهما وانعكاساتهما بفعل عدم مسايرة القضاء جوهرهما، وهذا ما استوجب غضب الملك من حين لآخر بهذا الخصوص.
إذا اعتبرنا العفو الملكي كآلية من آليات إصلاح ما قد يمكن أن يفسده القضاء، فهل يعني هذا أن المنظومة القضائية لازالت تشكو من اختلال ما، يستوجب تفعيل آليات العفو الملكي كأداة لتصويب الاعوجاج؟ علما أنه في فترة وجيزة تم تفعيل العفو الملكي بخصوص أحداث ونوازل، سلطت عليها الصحافة المستقلة الأضواء الكاشفة، مثل مظاهرات العيون سنة 2005 ونازلة الصحفيين المحكوم عليهم في إطار قانون الإرهاب ومحاكمات الإرهاب بعد 16 ماي 2003..
ألم تكن بعض تداعيات هذه النوازل منبعا من منابع غضب الملك على بعض القائمين على قطاع الأمن والعدالة؟ وإذا دفعنا التحليل إلى أبعد من هذا الحد بالقول، ما مصير حالات لم تصل إلى علم الملك؟ فكيف يمكن تفعيل العفو الملكي لإصلاح ما أفسده القضاء؟ هذا من جهة، ومن جهة أخرى اعتبر البعض أن العفو الملكي قد يعطل أحيانا آلية القانون في معاقبته للمخطئين، كما هو الحال مثلا بالنسبة لنازلة نجلة وزير الأنباء السابق، مريم بنجلون ونازلة وضع ملف تدبير وزارة الثقافة في عهد محمد بنعيسى وملف الجماعة الحضرية لأصيلة، على أنظار المجلس الأعلى للحسابات.
إن نازلة مريم بنجلون من النوازل التي تبين بجلاء طبيعة العلاقة بين الملكية ومنظومة القضاء المغربية؛ فمريم هذه، بنت أحد المقربين من البلاط، وزير أنباء سابق، كانت سببا في إلحاق أضرار بليغة بشرطية خلال مزاولة مهامها بفعل خرقها السافر لقانون السير.. تطور الحادث ووصلت النازلة لتعرض على أنظار القضاء بعد أن ساند الجنرال حميدو العنيكري، مدير الأمن الوطني آنذاك موظفته، ولم يكن أمام القضاء من خيار إلا تفعيل القانون واحترام المسطرة، لاسيما وأن الرأي العام تابع عن قرب وباهتمام كبير تطورات القضية وانتظر الجميع مآلها والتعاطي معها باعتبارها قضية جعلت القضاء أمام امتحان عسير تحت الأضواء ومراقبة كل المغاربة.
فعلا أدانت المحكمة الضنينة، إذ حكمت عليها بـ 8 أشهر حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها ألف درهم و40 ألف درهم كتعويض للضحية، وبعد أسبوع فقط، وهذه من نوادر القضاء المغربي، تم عرض ملف النازلة على أنظار محكمة الاستئناف التي أيدت الحكم، ويومين فقط بعد صدوره حظيت نجلة الوزير السابق بعفو ملكي.
لقد قامت الشرطة بدورها، إذ فعلت القانون واحترمت المسطرة ونظر القضاء في ملف النازلة وحظيت المعنية بالأمر برحمة الملك فاستفادت من العفو.

_________________________

في غضون شهر فبراير 2006 غضب الملك محمد السادس على مراد الشريف، وعوضه بمصطفى التراب على رأس المكتب الشريف للفوسفاط، بعد أن نودي عليه من واشنطن حيث كان موظفا ساميا بالبنك الدولي.
علما أن هذا الأخير سبق له وأن أبعد عن البلاط سنة 2002 بسبب غضبة ملكية بعد أن تألق في تدبير ملف تفويت الصفقة الأولى لخوصصة الهاتف النقال.
ومنذ تعيينه على رأس المكتب الشريف للفوسفاط، تخلص مصطفى التراب من جملة من رجالات ثقة مراد الشريف، لاسيما وأن بعضهم تورط في تجاوزات مالية وأفعال يجرمها القانون (تزوير واستعمال توقيعات صفقات بعد حدوثها، بيع الفوسفاط بأثمنة زهيدة، علاقات مشبوهة مع شركات أحدثها أطر سابقون بالمكتب أو أحد أقاربهم)، إلا أن الغضب الملكي لم يترجم بعد إلى متابعات أو مساءلة قضائية.

محمد بنعيسى والغضب الملكي

نال محمد بنعيسى، وزير الشؤون الخارجية والتعاون، نصيبه من غضب

684217656_small

الملك بخصوص تدبير جملة من الملفات الدبلوماسية وبفعل جملة من الهفوات، في إطار عدد من المهام التي يقوم بها بموازاة مع تكليفاته الرسمية، في مجالات تعلقت بمدينته أو الأقربين إليه، إلا أنه حسب العالمين بخبايا الأمور، كانت علاقاته الوطيدة بالأمير السعودي بندر بن سلطان (الملقب ببندر بوش) تشفع له وتقيه من انعكاسات الغضب الملكي، وكذلك خبرته في دروب الدبلوماسية، علما أن الأمير السعودي ظل يكلفه بتدبير أملاكه بالمغرب، الكائنة بمراكش والصويرة وأصيلا.

غضب الملك على مجموعة “داسو” الفرنسية
الغضبة الملكية على مجموعة “داسو” الفرنسية، هي حالة من حالات غضب الملك محمد السادس على جهة أجنبية، ويتعلق الأمر بمجموعة “داسو” التي يمتلك مديرها العام جريدة “لوفيغارو” الصادرة بفرنسا، وسبب هذا الغضب الملكي، هو قيام هذا المنبر الإعلامي بنشر بورتريه للملك في منتصف نوفمبر 2005، تجاوز شروط اللياقة المتعارف عليها.
وترجع تداعيات هذه النازلة إلى نهاية سنة 2005، إذ تمكنت مجموعة “داسو” الفرنسية من الفوز بصفقة بخصوص طائرات “ميراج” في نهاية أكتوبر 2005، آنذاك كانت المجموعة الفرنسية في مفاوضات مع عثمان بنجلون بخصوص استكمال الصفقة بصفته وسيطا، لكنه عبّر عن مطالب أزعجت المجموعة الفرنسية، ومن المعلوم أن عثمان بنجلون ظل من الوسائط بخصوص صفقات الأسلحة والمعدات العسكرية، لاسيما مع مجموعة “واشنطن هاوس” و”لوكهيد” في الثمانينات بدعم وتزكية من طرف محمد المديوري، رئيس الحراس الخاصين للملك الحسن الثاني وأحمد الدليمي القائم على المخابرات المغربية آنذاك.
لكن بخصوص صفقة “ميراج” اعتبر “سيرج داسو” أن مجموعته يمكنها الاتصال مباشرة بالجهة المعنية دون المرور عبر عثمان بنجلون الذي عبر عن طلبات لم يقبلها الفرنسيون.

غضب الملك على أزنار الإسباني

من لحظات الغضب الملكي الأولى بعد اعتلاء محمد السادس العرش في صيف 1999، غضبته على “خوسي ماريا أزنار” رئيس الحكومة الإسبانية، والذي كان أول رجل دولة قام بزيارة رسمية للمغرب، آنذاك أراد الوزير الأول الإسباني تقديم شيك بمبلغ 50 مليون دولار (500 مليون درهم) لمساعدة المغرب، مما أثار غضبة الملك محمد السادس الذي رفضه على الفور، قائلا إن ما ينتظر المغرب من الجارة الإسبانية احترام مواقفها، وحسب شاهد عيان (الجنرال الحرشي)، غضب الملك غضبة شديدة بسبب ما حصل.
لم يستسغ “خوسي ماريا أزنار” موقف الملك محمد السادس وما تلاه من قرار عدم قبول تجديد اتفاقية الصيد البحري، فكان حادث جزيرة ليلى الذي اتخذ أبعادا غير منتظرة، وكذلك الضغط بالتلويح بملف الهجرة السرية واستعمال ورقة المخدرات للمس بسمعة المغرب والقائمين على أموره والتشهير به عالميا، كما تم دفع الصحافة الإسبانية للنبش في ملفات وقضايا من شأنها إحراج العائلة الملكية والقصر، بما في ذلك محاولة تأليب الأمازيغ (الريف).
لم يظل المغرب مكتوف الأيدي، إذ صدرت أوامر لتفضيل الشركات الفرنسية والأمريكية على الشركات الإسبانية وإبعاد هذه الأخيرة عن الاستفادة من الصفقات، وهكذا تبين إقصاء مجموعة “فينيسيا” من صفقة التسيير المفوض للماء والكهرباء والتطهير بطنجة – تطوان وتسليمها للمجموعة الفرنسية “فيفاندي”، وكذلك تعليق صفقة شراء الدبابات وبعض المعدات العسكرية تحت ذريعة صعوبات مالية، آنذاك اتجه المغرب نحو واشنطن، إلا أن هذه الأخيرة أفادت الرباط بأن إسبانيا تعتبر شريكا في الحلف الأطلسي، وبالتالي لا يمكن تزويد المغرب بأسلحة ومعدات عسكرية من المحتمل استعمالها ضدها.
آنذاك غير المغاربة وجهتهم واتجهوا وجهة موسكو، وفي هذا الإطار كانت الزيارة الملكية لروسيا محاولة لضرب عصفورين بحجر واحد، بحيث تم تعويض المعدات العسكرية التي كان مقررا جلبها من إسبانيا ورفض الولايات المتحدة الأمريكية تعويضها من جهة، ومن جهة أخرى استدراج موسكو إلى جانب المغرب بخصوص ملف الصحراء.

“حشومة عليك أبلكورة”

بعد أن قضت مدينة مكناس سنتين بدون حافلات للنقل الحضري، كان أول ما خاطب به الملك محمد السادس عمدة مكناس هو عبارة “حشومة عليك بلكورة”، على اعتبار أهمية الحافلات بالنسبة للسكان، هذا الحادث كان وراء غياب أبي بكر بلكورة عن باقي الأنشطة الملكية بالمدينة أثناء الزيارة الملكية لها، ليتوالى بعد ذلك هجوم من قبل المعارضة على عمدة العدالة والتنمية والمتهم بالفشل في تسيير الشأن المحلي، أما بلكورة فقد أكد من جهته أن المستهدف من هذه الضجة بالإضافة إلى شخصه هو حزب العدالة والتنمية لتشويه سمعته لدى الرأي العام، وعقب هذه الغضبة الملكية أصدر فريق حزب العدالة والتنمية آنذاك ومستشارو الحزب بالمدينة بيانات توضيحية كشفت حقيقة التلاعبات والخروقات التي عرفها ملف النقل الحضري خلال سنوات من تسيير المجالس السابقة، لأن إشكالية ملف النقل الحضري مرتبطة بملف مديونية الوكالة المستقلة للنقل الحضري والملف الاجتماعي لمستخدميها، ومصادر من داخل العدالة والتنمية بررت التأخر بكونه راجع إلى تدابير تقنية فقط لأن الشركة التي فازت أثناء طلب العروض تكفلت بالنقل الحضري (سيتي باس)، كانت قد أودعت كفالة الضمانة بالإضافة إلى قيامها بالإجراءات اللازمة لإدخال الحافلات من إسبانيا، وبالتالي لا داعي لكل هذه الضجة التي يرون أن الأطراف التي كانت وراءها هي التي يجب أن تتحمل المسؤولية لا بلكورة، على أساس أنها هي التي كانت مسيرة للشأن المحلي وعلى رأسها مستشارو حزب التقدم والاشتراكية إلا أن كل هذه الدفوعات لم تعفهم من غضبة الملك.

المعطلون وهراوة البوليس وغضبة الملك

من الأمور التي مازالت سببا في غضبة الملك محمد السادس نهج التعاطي مع المعطلين الحاملين للشهادات كلما عقدوا العزم على تنظيم وقفة احتجاجية للتنديد بأوضاعهم وانسداد الأفق في وجههم.
فهؤلاء كلما فكروا في تنظيم وقفة احتجاجية حضارية متحضرة وسلمية أمام البرلمان أو بالقرب منه إلا وأعدوا أجسامهم لتلقي “لسعات” هراوات رجال الأمن أو القوات المساعدة بشكل ديمقراطي نزيه دون تمييز بين الرجل والمرأة، لكل نفس النصيب وبطريقة شفافة وعلانية.
فالقاعدة هي الهراوات بمناسبة كل وقفة تنظمهما جمعية المعطلين حاملي الشهادات، لكن ينال المحتجون النصيب الأوفر من الهراوات إن كان مكان الوقفة أمام البرلمان أو بالقرب منه، أما إن أرادت جمعية حقوقية تنظيم وقفة هناك، آنذاك تختفي الهراوات ويحضر رجال الأمن لحراسة المتجمهرين وتنظيم السير حتى تنتهي الوقفة ويتفرق أصحابها.

ooooooooooooo
في السنوات الأخيرة غضب الملك محمد السادس غضبا شديدا في أكثر من مناسبة، وبدا عدم رضاه على الأجهزة الأمنية، وعلى أداء جملة من القائمين على الأمور المفوضين من طرف الملك لإنجاز بعض المهام أو الاضطلاع بمسؤوليات، وعلى أداء الأحزاب السياسية وزعمائها، وعلى أداء الحكومة في مختلف القطاعات.
ومن مؤشرات هذا الغضب الملكي عدم حضوره في اجتماع المجلس
الوزاري والقيام بجلسات خاصة مع أشخاص خارج الحكومة بخصوص جملة من الإجراءات والتدابير الحيوية.
كما ظهرت غضبة الملك جراء إمداده بتقارير خاطئة حول الوضع القائم، وتناسلت أحداث هنا وهناك للتأثيث للغضب الملكي، منها ما ارتبط بالإرهاب والفضائح الأخلاقية المتعلقة بالقطاع السياحي وفضائح ممثلي الأمة في الاتجار بالأصوات بين “نخبة الناخبين الكبار” وسوء تدبير جملة من المسؤولين الكبار في مجال المهام الموكولة لهم.
وزاد الطين بلة بفعل الجيوب المعرقلة للمبادرات الملكية وعدم مساهمة بعض الوزراء في نجاحها واستمرار استشراء الفساد في الدوائر العليا لصناعة القرار وفساد مجموعة من الجنرالات وعجز الأحزاب السياسية وفساد جملة من المحسوبين عليها، وهذا ما دفع الكثير من المحللين السياسيين للمطالبة بإعادة النظر في الوسائل الضامنة لتقوية شروط الاستقرار بالبلاد وإعادة تحليل ودراسة السياسات المعتمدة قصد إعادة تفعيل سيرورة البحث عن عدالة اجتماعية حقيقية، هذا في وقت تعمقت فيه المعضلات الكبرى بفعل تراكمات سوء التدبير وفساد جملة من المسؤولين الكبار، وهي التراكمات التي مازالت مستمرة في إنتاج أسباب السخط وتكريس التهميش والإقصاء، وبالتالي فإنها تساهم في استمرار هشاشة الوحدة الوطنية اللازمة للتصدي للمشاكل والمعضلات.
ومن هنا يبدو أنه لا مخرج الآن إلا عبر إعادة الإقرار بعدالة الفرص بالنسبة لكافة المغاربة بعد أن اقتصرت الفرصة على قلة منهم، لا تكاد تبين، وعلى امتداد سنوات طويلة.
فهذا هو السبيل لترسيخ كرامة المواطن كضمانة ثابتة لتقوية الوحدة الوطنية الضرورية لمواجهة التحديات الكبرى والمعضلات العظمى التي يحياها المجتمع حاليا، أي إعادة النظر في نهج ما يسمى بـ “التدبير الرشيد” المعتمد، لكي يتحمل كل مسؤول، ليس مسؤوليته فقط، ولكن كذلك أخطاءه، وذلك في إطار الإقرار بسياسة الحقيقة، كل الحقيقة ولا شيء إلا الحقيقة، والابتعاد عن اعتماد السياسة “السياسوية” المبنية على مكر السياسة وسياسة المكر.
علما أن الكثير من المحللين والمتتبعين للشأن المغربي من الأجانب، يرون أنه بالرغم من كثرة حالات غضب الملك محمد السادس، وبالرغم من كل شيء، يظل المغرب من أفضل الدول العربية في مجالات احترام حرية التعبير وحرية الصحافة وحرية إنشاء الأحزاب السياسية، وذلك رغم أن آليات التنمية الشاملة الفعلية مازالت لم تنطلق بعد بشكل يقوي معه الاطمئنان عن الغد القريب، لأن القائمين على الأمور ما زالوا لم يتجرؤوا بعد على مواجهة إشكالية إعادة النظر في توزيع الثروات والدخل، وهو المدخل الذي لابد منه لإعادة تفعيل صيرورة التغيير الذي يهم أغلب المغاربة، فمتى ستحضر هذه الإرادة التي لا مندوحة عنها الآن، والتي مازالت غائبة إلى حد الآن؟

azderfgty

ظل الإرهاب والإرهابيون من القضايا التي كانت سببا في حالات غضب الملك الشديد، سواء منها الأحداث الدامية خلال 2003 و2007، أو تداعيات اكتشاف خيوط بعض المجموعات الإرهابية المبثوثة في المجتمع، هنا وهناك، لاسيما وأن الأعمال الإرهابية استهدفت المغرب مباشرة مرتين على مسافة قريبة من الانتخابات.

___________________________________________________________________________

ومما زاد من غضب الملك محمد السادس أن “أبطال” هذه الأحداث الإرهابية، جميعهم من مناطق مهمشة اهتمت بها خطابات المسؤولين لكن دون ترجمة فعلية على أرض الواقع المعيش، فكاريان طوما ودوار السكويلة وغيرهما من المناطق المهمشة في المدن الكبرى ظلت على حالها رغم أن الإشكالات المرتبطة بها طرحت بوضوح منذ خريف 2003، إلا أنه لم يتم انجاز ولو جزء يسير مما كان من المنتظر انجازه مقارنة مما ورد في خطابات المسؤولين.
بهذا الخصوص، ومدة 4 سنوات لم تكن كافية للحكومة ولا القائمين على الأمور المفوضين من طرف الملك الاضطلاع بمسؤوليات كبيرة، للقيام بما كان من الممكن أن يجعل المواطن العادي يشعر أن هناك اهتماما فعليا وبنيويا بمناطق التهميش والإقصاء، اللهم الاقتصار على بعض الإجراءات الشكلية التي اعتبرها الكثيرون بمثابة ضحك على الذقون، في حين ظل الاهتمام بالأحياء الراقية وبمشاريع لا تمت بصلة لدوائر التهميش والإقصاء المنتجة لليأس والإحباط وتفعيل فك الارتباط بين الكثير من الشباب والشعور بالانتماء للوطن.
يبدو الآن أن توجه اعتماد “الانتحار الإرهابي” في طريقه ليصبح نهجا للتنديد بالتهميش والإقصاء ربما كجواب على السياسات المتبعة للتصدي للمعضلات الاجتماعية الكبرى التي طالما عاشتها البلاد ولازالت تعاين استفحالها يوما بعد يوم.
والحالة هذه، فلا السياسات المعتمدة بهذا الخصوص ولا نهج “الانتحار الإرهابي” الإجرامي قادران على إحداث التغيير المنشود، الرامي لتحسين واقع العيش المر بالنسبة للكثير من المغاربة، فحتى المبادرة الوطنية لتنمية الموارد البشرية، والتي لا تستهدف إلا تقليص عدد المهمشين والمقصيين في أفق 2010 إلى النصف، لم تعرف دعما فعليا من طرف القائمين على الأمور وفعاليات المجتمع، إذ لازالت متعثرة بخصوص إنتاج البشائر الأولى لتأثيراتها المنتظرة، هذا ما يجعل البلاد تعيش في دائرة مفرغة، من شأن انعكاساتها وتداعياتها أن تكون خطيرة آنيا ومستقبلا، إذا استمر الوضع على ما هو عليه، إذ أنها قد تؤدي إلى حصر الاختيارات المعتمدة حول ضرورة التصدي للإرهاب ومحاربته ولو عبر تضييق الخناق على حقوق الإنسان والمواطنة وعلى حسابهما، كما قد تسمح بتدخل جهات خارجية في الشؤون الداخلية للبلاد، وهذا منحى قد يكون مآله “تكرار التاريخ” بصيغة جديدة ربما أكثر سلبية وقساوة من الماضي