النسب الملكي العلوي للعائلة المالكة المغربية كما يلي:

الملك محمد السادس بن الملك الحسن الثاني، وأخوه الامير عبدالله ولدا الملك محمد الخامس بن السطان يوسف، واخوه

عبدالحفيظ وعبدالعزيز هم اولاد السلطان الحسن بن السلطان محمد بن السلطان عبدالرحمان بن السلطان هشام مع اخيه

سليمان ولدا السلطان محمد بن السلطان عبدالله مع اخيه احمد الذهبي ولدي السلطان إسماعيل مع اخويه الرشيد ومحمد هم

أبناء السلطان الشريف بن الشريف علي المتوفى سنة 1069هـ ودفين مراكش بن الشريف الحسن بن الشريف محمد بن

الشريف علي بن الشريف يوسف بن الشريف علي بن الشريف الحسن بن الشريف محمد بن الشريف الحسن الذي دخل

المغرب في مطلع القرن السابع الهجري بن الشريف قاسم بن الشريف محمد بن الشريف ابي القاسم بن الشريف محمد بن

الشريف الحسن بن الشريف عبدالله بن الشريف ابي محمد بن الشريف عرفه بن الشريف الحسن بن الشريف ابي بكر بن

الشريف علي بن الشريف الحسن بن الشريف احمد بن الشريف إسماعيل بن الشريف محمد النفس الزكية بن امام الفقهاء

عبدالله الكامل المحض بن امام التابعين الحسن المثنى ابن الإمام الحسن السبط بن امير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنهم .

إن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف له مظاهره وتقاليده الأصيلة التي درجت عليها الشعوب الإسلامية، حتى أصبحت من تراثها الشعبي. وتتنوع هذه المظاهر بين المواكب الدينية ومجالس العلم، وتدارس القرآن، وقراءة الأمداح النبوية، وسرد السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام. وتختلف هذه المظاهر من بلد إلى آخر،كما تتنوع حسب الشعوب وطبائعها. فالاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف يعتبر مظهرا من مظاهر حب الرسول وإجلال شخصيته في نفوس المسلمين. فمنذ أن من الله تعالى على مغربنا العزيز بنعمة الإسلام وصارت دياره آمنة بما اطمأن إليه أهله من قيم الإيمان، وفضائل الإحسان، ارتبط تاريخ المغرب بتأريخ الربوع المشرقية، مهبط الوحي، ومنطلق الدعوة الإسلامية. ومن خلال المصادر التاريخية عن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف يتبين أنه كان على صعيدين: صعيد رسمي وصعيد شعبي. فسنة الاحتفال بالمولد النبوي صدرت أول الأمر من العزفيين ثم عممتها الدولة المرينية حتى جعلتها عيدا رسميا، ثم اطمأن إليها المغاربة فعم الاحتفال بها في عهد السعديين، حتى أصبحت للاحتفال تقاليد خاصة ولاسيما في عهد الملك أحمد المنصور الذهبي وقد تطورت هذه التقاليد في ظل الدولة العلوية الشريفة. فأصبح الاحتفال بالمولد النبوي في المغرب الموحد يكتسي طابعا متميزا يتجلى في إقامة المولديات في المساجد، وتنظيم المواسم الدينية في الزوايا تخليدا لهذه الذكرى العطرة.



وفي ظل هذا المفهوم الشامل للمدرسة المحمدية، يحيي أمير المؤمنين سبط الرسول الأمين جلالة الملك محمد السادس المنصور المؤيد بالله بمسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء كل سنة هذه الليلة المباركة، احتفاء بجده المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، متمشيا على سنة أسلافه المنعمين، مقتفيا أثر والده جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني قدس الله روحه.

وفي هذا السياق نرى أن مدينة سلا – المدينة الفاضلة- تخلد هذه الذكرى بإقامة موسم الشموع لمولاي عبد الله بن حسون بمناسبة الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف، وقد حافظت الزاوية الحسونية برعاية العرش العلوي المجيد على هذا التقليد الأصيل الذي يظهر تشبث الشعب المغربي بأصالته وتقاليده العريقة التي تميزت عن سائر الشعوب العربية والإسلامية الأخرى.إن الأصالة هي سمة العرش المغربي، وإنه لمن أعظم نعم الله على هذه الأمة المغربية أن وكل أمر قيادتها للعرش العلوي المناضل الذي عرف ملوكه الأمجاد، كيف يذودون عن حياضها، ويوحدون صفها، ويجمعون كلمة سواء، في تعبئة تامة، ووحدة متناسقة وصف متراص، وهذه حقيقة لا تجحد، وبديهية لا تقبل المناقشة والتاريخ الأمين خير شاهد على ذلك.

ولهذا الموسم الديني روعة فنية خاصة حيث يتم تنظيمه باستعراض موكب الشموع ذات الاهتمام السياحي كمقدمة لانطلاق الموسم. وقبل التحدث عن أصل هذا التقليد المغربي الأصيل لابد أن نشير إلى أن هذه الشموع تختلف تماما عن الشموع العادية التي تستعمل للإنارة باعتبار صنع هياكلها من خشب سميك مكسو بالكاغد الأبيض الناصع والمزوق بأزهار الشمع ذات الألوان الجميلة المتنوعة من أبيض وأحمر وأخضر وأصفر في شكل هندسي يعتمد الفن الإسلامي البديع.من المعروف أن الملك السعدي أحمد المنصور الذهبي تأثر خلال زيارته إلى إسطمبول بالحفلات التي كانت تنظم بمناسبة المولد النبوي الشريف، فأعجب خاصة باستعراض الشموع. وعندما تربع على العرش بعد معركة وادي المخازن استدعى صناع فاس ومراكش وسلا، قصد صنع هذه الهياكل الشمعية. فتم الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف سنة 986هـ.


أصل موكب الشموع

والتاريخ يبين لنا أن الدولة السعدية كانت تعطي لذكرى المولد النبوي عناية فائقة فنجد ذلك في رحلة أبي الحسن المكرومي: المسماة "النفحة المسكية في السفارة التركية" وكذلك في كتاب "المنتقى المقصور على معاطر خلافة المنصور" لصاحبه شهاب الدين ابن علي الزناتي المعروف بابن القاضي المزداد سنة 960هـ/1552م وكذلك في نزهة أبي عبد الله الإفراني، وسأقتصر على ذكر الوصف الشافي المبين في كتاب "مناهل الصفا في أخبار ملوك الشرفا" للمؤرخ عبد العزيز الفشتالي والذي جاء فيه: "كان ترتيبه في الاحتفال بالمولد النبوي الكريم إذا طلعت طلائع ربيع الأول صرف الرقاع إلى الفقراء أرباب الذكر على رسم الصوفية والمؤذنين النعارين في الأسحار بالآذان فيأتون من كل جهة ويحضرون إليه من سائر حواضر المغرب.ثم يأمر الشماعين بتطريز الشموع وإتقان صنعتها فيتبارى بذلك مهرة الشماعين كما يتبارى النحل في نسيج أشكالها لطفا وإدماجا، فيصوغون أنواعا تحير الناظر ولا تزيل زهورها النواضر. فإذا كانت ليلة المولد تهيأ لحملها وزفاف كواعبها الحمالون المحترفون لحمل خدور العرائس عند الزفاف، فيزينون ويكونون في أجمل شارة وأحسن منظر، ويجتمع الناس من أطراف المدينة لرؤيتها، فيمكثون إلى حين يسكن حر الظهيرة وتجنح الشمس للغروب فيخرجون بها على رؤوسهم كالعذارى يرفلن في حلل الحسن وهي عدد كثير كالنخيل فيتسابق الناس لرؤيتها وتمد لها الأعناق وتتبرج ذوات الخدور وتتبعها الطبول و الأبواق من أصحاب المعازف حتى تستوي على منصات معدة لها بالإيوان الشريف…… "

وجرى العمل بهذا الاحتفال بمدينة فاس الذي كان خليفة السلطان بها محمد الشيخ المأمون والذي كان يرأس هذا الاحتفال وقد عاين المؤرخ محمد بن علي الدكالي بضريح الشيخ الفقيه الحافظ أبي بكر بن العربي المعافري خارج باب المحروق بفاس وبضريح الولي الصالح سيدي أحمد الشاوي بطلعة فاس شكلا من هذه الهياكل الشمعية معلقا باليا وذلك في بداية القرن.

أما ما يتعلق بمدينة سلا فكان الولي الصالح الفقيه القطب مولاي عبد الله بن حسون معروف الجلالة عند المولى أحمد المنصور الذهبي الذي أقطعه البقعة التي اختط بها زاويته ودار سكناه. فكان رضي الله عنه مولعا بعمل المولد النبوي، عظيم الاحتفال به حيث كان يرأس هذا الاحتفال وكذا الاحتفالات التي كانت تقام بزاويته طيلة أسبوع تخليدا لذكرى الرسول الكريم. فكان يختلف للمولد غاية الاحتفال وكان يأتيه لحضور موسمه عنده بزاويته من حواضر البلاد وبواديها من بين علماء وأولياء وأهل السماع وأرباب الزوايا كالشرقاوية والفاسية والدلائية والناصرية.

السلوانية اليوم تحتفـل بالذكـــرى

و تمجد اخلوق النبي ف موسم الشمـوع

جل الاحتفال بالحبيب جلـت الفكـرة

و المبدع الصالح التقـي الفقيـه الينبوع

مولاي عبد الله بن حسون صاحب الحضرة

و حلقـات الذكــر لله ف الخشـوع

العلـم والعمـل الجـد و أخـذ العـبرة

و جهاد النفس بالصبر حتى تعطى الطـوع

القطب مولاي عبد الله بن حسون

ازداد أبو محمد عبد الله بن أحمد بن الحسن الخالدي الحسني الإدريسي السلاسي ثم السلوي المشهور بابن حسون نسبة لجده الحسن، سنة 920هـ/1515م بسلاس بناحية فاس وتوفي 1013هـ/1604م بسلا. ولقد عده المؤرخ ليفي بروفنصال من الشرفاء الذين استوطنوا منطقة سلاس.

ويعد مولاي عبد الله ابن حسون أحد الأعلام المبرزين في عصره علما واضطلاعا، وفضلا وتصوفا وتربية وسلوكا. وقد جمع بين العلوم الفقهية والصوفية حتى أصبح قطبا من أقطاب الطريقة الشاذلية، أخذ علوم الشريعة بالحضرة الفاسية بجامع القرويين عن أكابر علمائها كعبد الواحد الونشريسي (ت995هـ.العلامة قاضي فاس العادل ومفتيها صاحب التأليف). وأبي الحسن علي بن هارون (ت951 هـ-العالم الفقيه المفتي ) وأحمد الحباك (ت938 هـ-الفقيه النحوي المتفنن كان آية من آيات الله في الدعوة إلى الله) وعبد الوهاب الزقاق (ت960هـ الإمام الحافظ قاضي فاس ومفتيها الطبيب، كان خزانة من خزائن العلم). وعبد الرحمن بن إبراهيم الدكالي (ت962هـ.الفقيه الأستاذ المقرئ الخطيب ) ثم انتقل إلى معهد المواهب بالجبل الأشهب قرب شفشاون بالجبال الهبطية، فأخذ الطريقة الصوفية عن الشيخ عبد الله الهبطي (ت963 هـ الفقيه العلامة المطلع المتكلم النظار الورع الصوفي الكبير). ويعتبر مولاي عبد الله ابن حسون باتا لمنهجية شيخه الهبطي في التصوف. ولما حل بمدينة سلا أحيى نفوسا وبعث همما بمعارفه الغزيرة وعلومه المنيرة فقد أخذ يدرس بالمسجد الأعظم الفقه المالكي بمختصر خليل ومختصر بن الحاجب وشرحه للشيرازي والمنطق بمختصر السنوسي وشروحه وعلم الكلام بعقائد السنوسي الكبرى والوسطى والصغرى، وبكتاب السلالجي وعلم الحساب بتلخيص ابن البنا والنحو بألفية مالك والتفسير بمقتضى قواعده والإشارات الصوفية إلى غير ذلك من العلوم التي أخذها بجامع القرويين ومعهد المواهب. وقد صار بسلا عمدة وقدوة بعلوم الشريعة والتصوف، يدرس ويفتي ويخطب. فجمع بين التدريس والفتوى والإمامة والخطابة بالمسجد الأعظم. أضف إلى هذا أن التصوف كان قطب رحاه، فقد عمل على نشر الطريقة الشاذلية حتى تخرج على يده علماء صوفية. حملوا لواءه وأذاعوا فضله وأعلنوا نداءه، وترسموا منهج إصلاحه وساروا في ضوء مصباحه وتركزت معارفه في مريديه.

لقد أجمع الذين ترجموا له على قلتهم أن القطب بن حسون كان من العلماء المتصوفة الذين يجهرون بالحق ولا يخافون في الله لومة لائم ومن خلال أوصاف مترجميه ندرك أنه اشتهر بين معاصريه بالجرأة على قول الحق وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما كان شديدا على الظلمة، ومن الكتب المخطوطة التي تعتبر مراجعتها ضرورية لفهم شخصية ابن حسون: كتاب "المعرب الفصيح" للقاضي الشيخ محمد الهبطي الصغير لأنه عاشره في معهد المواهب ويعرف عنه أكثر من غيره، ولأن مؤلفه يعطينا فكرة واضحة عن منهجية وطريقة ابن حسون الصوفية.

ومنهم العدل الرضا حلف الزهــد

ذلك عبـد الله طعمـة الشهــد

و هو ابن حسـون أخـو الصيانـة
والعلــم والثقاة و الديانــة

إن طريقة القطب ابن حسون بقدر ما مثلت التصوف الجزولي الشاذلي في أعلى صوره كما عرف جلال القرن العاشر الهجري، والذي يقوم أساسا على المحبة الصادقة للنبي الكريم والإكثار من الصلاة عليه والتسليم والمواظبة على قراءة دلائل الخيرات. ويعتبر سند الزاوية الحسونية في الجزولية الشاذلية من أعلى الأسانيد من خلال سلسلة أشياخ ابن حسون خاصة بواسطة الشيخ عبد الله الهبطي الذي أخذ إدارة الانتساب مباشرة عن الشيخ الغزواني عن الشيخ التباع وهذا عن الشييخ محمد الجزولي.

وهذا الجانب هو أساس الشهرة التي حصل عليها القطب ابن حسون فهو بالنسبة لمعاصريه أومن أتى بعدهم بقليل آخر حلقة تربط بينهم وبين الجزولي. يقول الشيخ العلامة محمد ابن أبي بكر الدلائي في حق شيخه القطب ابن حسون: فله " للعياشي" مدد من هذا النور وسنده فيه والبرهان ينتهي من أستاذه المنقطع إلى الله العارف بالله الإمام أبي محمد سيدي عبد الله ابن حسون أفاض الله علينا من بركاته إلى وارث االقطبانية والنور الشعشاع أبي فارس سيدي عبد العزيز التباع إلى القطب الجامع لأشتات الكمال سيدنا ومولانا أبي عبد الله سيدي محمد بن سليمان الجزولي.وترجع أهمية الطريقة الجزولية إلى كونها أكثر ترسخا في المجتمع المغربي بسبب التزامها وقربها من الكتاب والسنة وابتعادها عن مظاهر الغلو والتفلسف.مع العلم أن التصوف الإسلامي كان طوال أيام تاريخنا المضيء المنتصر هو القوة الملهمة للفداء والتضحية. وهو الروح الصانعة للعزمات والوثبات وهو الدرع الذي يحمي أخلاقنا ويصون عقائدنا ويحول بيننا وبين التخلل والتفكك. فلذلك كان التصوف عند ابن حسون جهادا في أعلى دراه والعلم في أصفى موارده والخلق في أعلى مثله، والإيمان في أسمى أنواره وإشراقاته وليس ضعفا وانعزالا.

فالجانب العملي عند ابن حسون يقوم على العمل بكتاب الله ورسوله كما يقوم على اصطناع المكابدة والمجاهدة وذلك بالإكثار من القيام والصيام والذكر وقراءة القرآن وبالتسبيح والدعاء والابتهال.

فجسمه الصـــوام والقــوام

و ســره الخـواص و العــوام

وعلى الرغم من ضحالة المصادر التاريخية التي من شأنها أن تمدنا بما يساند ما انتهينا إليه، ويرفع عنها مظهر الاستنتاج الخاص، فإن التقصي في البحث، والنظر في بعض الزوايا المظلمة من تاريخنا، كثيرا ما يقفان بالباحث على بعض الوقائع التي تؤيد ما تذهب إليه، ومن ذلك ما ورد في بعض المصادر التاريخية عن الوحدة الشعبية في مغرب بداية القرن السادس عشر، حول مبدأ مقاومة التدخل الأجنبي. وتعد كتب التراث لهذه الفترة أحسن دليل لمن أراد الوقوف على هذا الغليان القومي. ففي الشمال اشتهر الشيخ الهبطي بألفيته، وفيها دعا إلى الجهاد، وتلبية نداء الواجب، مبينا الحالة التي كان عليها السلف الصالح، وكيف أنهم كانوا يتسابقون إلى الشهادة، وما أصبح عليه لدى المسلمين من تقاعس وتخاذل، مما دفع ابن حسون – تلميذ الهبطي- إلى أن يرابط في مدينة سلا التي كانت مهددة من طرف البرتغال. خاصة وأن قائد سلا الحاج الفرج أراد أن يسلم مدينة سلا سنة 1546 إلى لويس دي لوريرو luis de loriero عامل مزكان (الجديدة) علاوة على أنه كانت هناك نية مبنية لاحتلال مدينة سلا كما يتبين من رسالة السيد الأعظم سانتياكو Santiago حيث ينصح حكومته بالتخلي عن بعض المراكز، على أن تركز الاستعدادات لمواجهة الأتراك، وقد تميز جواب الاسقف Algarve ببعض التفاصيل، مشيرا إلى أنه من البديهي أن الملك البرتغالي بالدرجة الأولى بالوصول إلى القضاء على الشريف السعدي قبل أي شيء آخر، لذا فعليه أن يسيطر على سلا، وأن يتخذها قاعدة للهجوم على فاس و مكناس.كما كان مخططا لدى الملك إيمانويل الأول من القيام بغزو المغرب عند مطلع القرن السادس عشر للميلاد.

ويوجه الأسقف انتباه الملك إلى ضرورة الاستعانة بأموال الإيكليروس للقيام بمشروعه هذا. ويختم جوابه بأن يطلب من الملك العمل على كسب جانب القبائل وخاصة القريبة من المراكز البرتغالية، وذلك بجعلها تستقر حول هذه المراكز، وتشتغل بالزراعة. ومتى ما نجحت هذه الوسيلة فإن كثيرا من هذه القبائل ستتخلى عن الشريعة من تلقاء نفسها، وفي ختام الرسالة يكرر الأسقف طلب غزو المغرب وإعادة الصليب.

وهكذا نرى أن الزاوية الحسونية قامت على أساس من التصوف الروحي والجهاد الديني ولها صفحات مشرقة في الدفاع عن كيان الوطن. ومما تجدر الإشارة إليه أن ابن حسون قام بدور مهم في تعبئة الجماهير الشعبية لصد الغزو الصليبي مشاركا معهم في الجهاد.

نبا عــن الأوطـان والمعاهــد

وآثــر الثغــور والمساجــد

فقد قام يدعو إلى الجهاد وتلبية نداء الواجب مبينا الحالة التي كان عليها السلف الصالح وكيف أنهم كانوا يتسابقون إلى الشهادة لإعلاء كلمة الإسلام.

إن الجهــاد أكــبر المعــين

عليـه تنبـني أمــور الديــن

كانت تبـاع النفـس دون ريب

بلــذة عظيمـة فـي القلـب

أو بإرسال تلاميذه للمرابطة والجهاد كما فعل مع تلميذه المجاهد الفقيه محمد العياشي حين أمره للتوجه للجهاد في سبيل الله بأزمور قائلا له: "هذا الجواد هو دنياك و أخرتك "فكانت هذه العبارة على حد تعبير أستاذنا المرحوم الدكتور محمد حجي منطلق نصف قرن من الجهاد في سبيل الله للبطل العالم محمد العياشي.

وهكذا نلاحظ أن ابن حسون لم يتلق عن شيخه الهبطي المعارف والتربية الصوفية فحسب بل تلقى عنه حب الجهاد وروح المقاومة وبغض الأجنبي الدخيل المحتل وكان من نتائج هذه الروح الجهادية ظهور المجاهد العياشي على مسرح الأحداث بالمغرب، فابن حسون إذا أخذ علم الجهاد عن شيخه الهبطي عن الشيخ المجاهد محمد بن عبد الرحيم بن يجبش التازي الذي ألف كتابا في الجهاد والحث عليه وله فيه قصائد وملاحم رائعة.

والذكر عند ابن حسون لا يختلف كثيرا عن ذكربقية الزوايا الجزولية الشاذلية. فقد ترك كثير من الأوراد والصلوات والأدعية. والأحزاب والمأثورات الصوفية والشعر والأزجال الملحونة التي وضعها لمريديه، فكان يقرأ مريدوه هذه الأوراد والأحزاب بزاويته، فيقرؤون المعشرات وحزب الفلاح وصلاة مولاي عبد السلام بن مشيش ودلائل الخيرات للإمام الجزولي. كما أن ابن حسون يضع أهمية كبرى لذكر القلب ويعتبره الخطوة الأساسية للوصول إلى الرتبة العليا في التصوف من أجل ذلك كان يطلب من مريديه اسم الجلالة (الله) عدة آلاف من المرات لأن في ذلك اندفاع المريد للإتيان بالأعمال الحسنة واجتناب المعاصي، فمن لم يوصله ذكره إلى تلك الغاية فقد غابت عنه حقيقة هذا الذكر، ولقد ضمن ورد ابن حسون في أبيات شعرية الفقيه محمد ابن إدريس ابن الطاهر المنصوري السلاوي (1347/1928).ولقد اعتبر ابن حسون السماع ركنا في الطريق، وكان ابن حسون يعمل الحضرة ولا تعمل إلا بمحضره ولم يكن يتحرك إلا أنه يهتز عند السماع يمينا وشمالا وهو جالس كما كان يطرب للألحان التي اعتاد الموسيقيون أن يعزفوها أيام الجمع والأعياد.ويعد ابن حسون من الصوفية الذين سمعوا من النفس حديثها ومناجاتها وسمعوا من القلب المعارف الذوقية والعلوم الكشفية.وكانت سيرته الذكر وبدل النصيحة لكافة الورى، وطريقته الخاصة مع خواص أصحابه على المشاهدة والعلوم اللدنية وكان الغالب عليه الشوق إلى حضرة القدس يذهب فيه مذهب ابن الفارض ويستحسن كلامه سيما تائيته الكبرى فإنها كانت هجيراه.

أما مناقبه وكراماته فهي عديدة ومن يريد التعرف عليها فليرجع إلى أمهات الكتب كـ"الصفوة" و "درة الحجال" و "المحاضرات" و "نشر المثاني" و "السلوة" و"المعرب الفصيح" وغيرها. ولكن كرامة ابن حسون الحقيقية هي أنه ربى رجالا وكون أبطالا مجاهدين في سبيل الله فكون بذلك مدرسة وطنية أساسها الكتاب والسنة ومبنية على محبة الوطن والعرش المغربي والقومية العربية الإسلامية.

إن الجماعـة حبل الله فاعتصمـوا

منه بعروتـه الوثـقى لمن دانـا

كم يرفع الله بالسلطـان معضلـة

في ديننا رحمـة منـه و دنيـانـا

لولا الخلافة لم تأمـن لنـا سبل

و كـان أضعفنـا نهبـا لأقوانـا

وقد أنشد هذه الأبيات ابن حسون بمحضر المؤرخ ابن القاضي وهي للإمام شيخ الإسلام عبد الله ابن المبارك المروزي المتوفى سنة 181هـ صاحب كتاب "الزهد والرقائق".

ومن أشهر تلامذة ابن حسون المجاهد محمد العياشي (ت1051هـ/1641م) ومحمد بن سعيد العتابي (ت1032هـ/1623م) ومحمد بن أبي بكر الدلائي عقد الزاوية الدلائية (ت1046هـ) ومحمد بن محمد الدادسي (ت1062هـ) وأحمد بن محمد ابن عطية (ت1015هـ/1607م) ومحمد ابن محمد ابن عطية (ت1052هـ/1643م) ومحمد القجيري (ت1046هـ) وعبد الله السائح (ت1076هـ) وأحمد السائح والحسن بن علي ابن أحمد بن موسى السملالي (توفي في عشرة الثمانين وألف) والفقيه يوسف بن عابد الإدريسي الحسني الفاسي (ولد في حدود 966هـ/1559م) وفاطمة بنت عمر الفشتالي (ت1045 هـ) وعلي بن أبي المحاسن الفاسي (ت 1030هـ)أما من أخذوا بالواسطة فهم:

1-أحمد الطالب القصري (1072/1662م) عن محمد بن سعيد العتابي عن ابن حسون.

2-عبد القادر الفاسي (ت1090هـ) عن محمد القجيري عن ابن حسون.

3-علي ابن عبد الرحمن الدرعي (1090هـ/1679م) عن محمد بن محمد الدادسي عن ابن حسون.

للزاوية الحسونية أملاك حبسية كثيرة داخل سلا و أحوازها من قطع أرضية أوقفت لفائدة تغطية نفقات تزو يق الشموع و كذا إطعام الفقراء ليلة المولد كما كان للزاوية نظار يعهد إليهم تسيير شؤونها مثل الشريف محمد بن محمد نجل البركة الظاهرة سيدي عبد الله بن حسون كما يتبين من الظهير الشريف المؤرخ في 1جمادى الأولى 1215 -لي رجعة إلى هذا الموضوع - كما كانت تضم الزاوية خزانة هامة للمخطوطات عفى عليها الزمن والتي أوقف بعضها القطب ابن حسون حبسا على خزانة المسجد الأعظم كما تبث ذلك من حوالة حبسية بالخزانة العامة.

وضريح القطب ابن حسون مشهور عليه بناء جميل كرونق من أبنية السلطان مولاي إسماعيل قدس الله روحه وقد تم توسيعه وترميمه في عصرنا الزاهر بأمر من جلالة المغفور له الحسن الثاني حتى أصبح أعجب الأضرحة و أحسنها زخرفة وجمالا.

وبعد وفاة مولاي عبد الله بن حسون استمر أحفاده وأتباع زاويته بإقامة هذا الموسم برعاية صاحب الجلالة مولانا محمد السادس نصره الله لإعطاء هذا العيد العناية اللائقة به والتعظيم بخير الأنام سيدنا ومولانا محمد [img]style_images/1/p1.gif'> فقد استمر موسم الشموع في عهد الدولة العلوية الشريفة حيث أصبحت ذكرى مولد الرسول الكريم عيدا إسلاميا متميزا للأمة المغربية جمعاء واعتنى بهذا الموسم أحسن اعتناء وفيما يلي وصف لهذا الاحتفال التقليدي يرجع تاريخه إلى بداية هذا القرن -عهد السلطان مولاي يوسف طيب الله ثراه كما كتبه الأديب الشاعر المطبوع المرحوم عبد الله القباج في جريدة السعادة المؤرخة في 28 دجنبر 1917 الموافق 13ربيع الأول 1336 هـ.

احتفال أهل العدوتين بليلة المولد

فقد زينت عموم المساجد والزوايا وأضرحة الصالحين فظهرت أنوارها وارتفعت فيها أصوات الأذكار والصلاة على النبي المختار ومدحه بأحاسن الأشعار، وعلى الأخص الاحتفال الأكبر والموسم الأشهر الذي أقيم في سلا بضريح ولي الله سيدي عبد الله ابن حسون المعروف بيوم الشمع وليلة الجمع، فقل عنه ما تشاء وحدث ولا حرج.

"فقد أبرزت فيه ثماني شمعات حول الضريح المذكور مزخرفات مموهات بالذهب مكتوب عليها كلمة "لا إله إلا الله" طول الصغيرة منهن متر ونصف وطول أكبرهن متران ونصف، فأحيين فيه الليلة بالتهجد وتلاوة الأمداح النبوية وعلى الأخص قصيدتي البردة والهمزية التي تلتذ بمحامدها القلوب وتتشنف بأناشيدها الأسماع.وفاض فيها إحسان الشرفاء أبناء الصالح المذكور ومقدم ضريحه على الفقراء والمعوزين فيضا يحاكي السيل المنهمر والغيث المستمر وختم الطرب وسماع النغمات والجهر بصلح الدعوات لسمو مولانا الإمام الفخيم ورجال دولته من الكبير إلى الصغير ولسائر الأمة الإسلامية".

وإن لله أقواما عند ذكرهم تنزل الرحمات المستفيضات

ومن رآهم ووالهم وشايعهم من الولي تواليه الولايات

ومن علامة من صحت سعادته هواهم ولمن يهوى علامات

ونجل حسون عبد الله قطب سلا من أسدهم وللأسد الله صولات

وقبره في ذراها روضة عبقت بطيبه وله في القبر إنصات

ومن دعا الله فيها يستجاب له وللإجابة أبواب وأوقات

وسوحه حرم للوافدين ومن وافا مقامه وافته العنايات

والكتب تشهد لي والساكنون سلا وللرباط على قولي شهادت

وللبلاد جميعا في زيارته محبة واغتباط واعتقادات

وكل أرض له في ثغرها درر من سره وعلى الأعناق لبات

فالله نسأله بالأولياء وبه وفي السؤال بهم للفوز إثبات



وأشير هنا أن هذا الموسم انقطع فترة الاضطرابات حين فكر الملك المجاهد المرحوم مولانا محمد الخامس طيب الله ثراه الذي لا تأخذه في الله لومة لائم ورجال الحركة الوطنية من التخلص من الاستعمار وتحرير البلاد. وفي غشت سنة 1953م حينما حلت بالمغرب كارثة نفي الملك المجاهد سيدي محمد بن يوسف ولحق الكيد برجال الحركة الوطنية قاطبة فكان من صور الانتفاضة التي قام بها المغاربة لمواجهة المستعمر الذي كان يستغل المظاهر الدينية وخاصة المواسم ليبرهن للرأي الدولي أن الاستقرار سائد والطمأنينة عامة في البلاد. فأراد أن يعيد موسم الشموع لمولاي عبد الله ابن حسون الذي انقطع به مدة ثلاث سنوات للأسباب المذكورة سالفا وطلب من الشرفاء الحسونيين بإقامته. وأمام رفضهم واستقرار رأيهم على ضرورة إرجاع رمز البلاد جلالة المغفور له محمد الخامس، أرغم صانع الشموع شقرون بتزويق الشموع ووجه المستعمر الاستدعاءات إلى رجال الصحافة الدولية وأحضر السواح من كل صوب فما كان من بعض الغيورين المقاومين قبيل يوم الاحتفال إلا أن تسللوا إلى مكان الشموع وأتوا عليها إحراقا و نذكر من بين هؤلاء الشريف سيدي محمد بن العربي الحسوني، السيد عبد السلام الأسفي، السيد علي الزموري المكنى المسطاش، السيد محجوب ولد موح، السيد حميد الأسفي، السيد عبد الحميد السباعي والسيد الفقيه عبد السلام الدرقاوي.

وبعد أن انفرجت الأزمة وقرت عين المغاربة برجوع رمز عزتهم و حامل لواء مشعل حريتهم ونهضتهم جلالة المغفور له مولانا محمد الخامس طيب الله ثراه تقدم الشرفاء الحسونيون إلى الجناب الشريف أسماه الله بمناسبة زيارة جلالته إلى ضريح مولاي عبد الله بن حسون في عيد المولد النبوي الشريف لسنة 1956 طالبين السماح لهم باستئناف موسمهم السنوي المعهود فأصدر جلالة الملك في السنة الموالية أمره المطاع بذلك ورفعت الشموع معبرة بدورها هي الأخرى عن ابتهاجها برجوع الملك المظفر والإحراز على استقلال البلاد والفرح بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

كيف يحتفل بموسم الشموع؟

إن هياكل الشموع التي تم الاحتفاظ بها طوال السنة في ضريح مولاي عبد الله بن حسون يتم سحبها منه قبل شهر من عيد المولد النبوي حيث ترسل إلى منزل صانع الشموع قصد تطريزها وزخرفتها وتختص اليوم عائلة بلكبير بهذا الفن الوراثي كما كانت عائلتي شقرون وحركات تسهر على هذا العمل الفني.

يوم الاحتفال:

يفتتح الموسم بعد صلاة العصر يوم 11 ربيع الأول فيجتمع الموكب بالسوق الكبير قرب دار صانع الشموع ويكون في مقدمته الشرفاء وأتباع الزاوية الحسونية ثم الطبجية بزيهم التقليدي يحملون الشموع وتصحبهم أجواق الموسيقى وأنغام الطبول ويتوجه الموكب مارا من أهم شوارع المدينة إلى ساحة الشهداء حيث نصبت المنصة الرسمية فيتوقف الموكب هناك ويرفع الشرفاء الحسونيون مع الحضور - الذي يرأسه عامل صاحب الجلالة وعلية القوم - أكف الضراعة لأمير المؤمنين حامي حمى الملة والدين جلالة الملك محمد السادس بالنصر والتمكين وللأمة الإسلامية. بعدها تؤدى رقصات الشموع في ساحة الشهداء ثم يتوجه الموكب إلى أن يصل إلى دار الشرفاء، ففي هذه الدار العتيقة تجرى حفلة تقليدية يحضرها النساء والأطفال بأزيائهم التقليدية الجميلة وأثناء ذلك يقوم حاملو الشموع بعدة رقصات ودورات في فسحة الدار ويردد الجميع خلالها التهليل والتكبير والصلاة على النبي المختار سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وبعد هذا الحفل يذهب الموكب إلى آخر مطافه ضريح ابن حسون حيث تعلق الشموع.

إن إنهاء استعراض موكب الشموع لا يعني انتهاء الطواف تقام حفلة عشاء لجميع المشاركين بدار الشرفاء، بعدها يلتحق الجميع إلى زاوية مولاي عبد الله بن حسون لمشاهدة (رقصة الشمعة) على نغمات الموسيقى الأندلسية نوبة رمل الماية ثم تتخللها أمداح نبوية.أما يوم العيد فتقام حفلة خاصة بطرب الملحون يشارك فيها شعراء وشيوخ الملحون من مختلف مدن المغرب فتلقى قصائد بهذه المناسبة تتضمن المرسول-المداحي- الجمهور-لخلوق-الادريسيات والحسونيات.ويوم ثاني العيد تقام مسابقة في تجويد وحفظ القرآن الكريم تخصص فيها للفائزين جوائز مالية ثم تليها محاضرة دينية يلقيها أحد العلماء.ويوم السادس للمولد تقام حفلة خاصة بالذكر الصوفي وقراءة دلائل الخيرات للإمام الجزولي وحزب وأوراد مولاي عبد الله بن حسون في صباح اليوم السابع للمولد يقام حفل إعذار أطفال اليتامى والمحتاجين بدار الشرفاء كما تقام بالزاوية الحسونية حفلة الصبوحي خاصة بقراءة البردة والهمزية للإمام البوصيري ويلقي أحد العلماء درس يبرز فيه فضائل وشمائل النبي المختار صلى الله عليه وسلم كما تلقى قصائد شعرية بالمناسبة تختم بجملة الكصعة التقليدية، وفي المساء تشارك الطوائف الدينية بأذكارهم وأورادهم: عيساوة- حمادشة- الغازيين.

وهكذا نرى أن ملوك الدولة العلوية الشريفة على الأزمان اشتهروا بحدبهم على نشر تعاليم الدين الإسلامي وتعليم فروضه عن طريق إسهامهم المباشر في الإطلاع بأمرهما وتشجيع الأمة المغربية للحفاظ على مقوماتها وأصالتها وتراثها.حيث ترأس جلالة الملك محمد السادس نصره الله، وهو وليا للعهد، موكب الشموع لسنة 1975، وبمعيته صاحب السمو الملكي الأمير السعيد مولاي رشيد والأميرات الجليلات.كما ترأس حفظه الله صلاة أول جمعة شهر رمضان لسنة 2000 بالمسجد الأعظم وبهذه المناسبة السعيدة قدم الأستاذ عبد المجيد الحسوني نقيب الشرفاء الحسونيين كتاب مخطوط في الفقه الإسلامي للجناب الشريف أسماه الله.فكان يوم مشهود في تاريخ سلا المشرق.

والمغرب اليوم في ظل القيادة الرشيدة المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، يعيش نهضة إسلامية شاملة، ويمر بمرحلة توعية دينية هادفة، مزهوا بخطوات جلالته المباركة لتكون أيامنا هذه، أيام بعث إسلامي، وتزدهر من جديد في ربوع هذه المملكة السعيدة بقيادته الحكيمة الأسس والمبادىء التي قامت عليها مدرسة الرسول التي دعت إلى الخير وحضت على الفضيلة، فأخرجت لنا مجتمعا صالحا فاضلا، خلقه القرآن، وهو المجتمع الذي ينشده ملكنا الهمام. ولعل نافلة القول الإشارة إلى المكانة العظيمة التي يحتلها مولانا جلالة الملك محمد السادس موحد البلاد، والدور الطلائعي الذي يلعبه في الميدان الفكري والإصلاحي بنهج الإصلاح وجهاده من أجل الثقافة الإسلامية وبعث الروح العربية الإسلامية في توحيد صفوف الأمة المغاربية والعربية والإسلامية من أجل تحرير القدس الشريف.

ولقد أصبحت المواسم في عهد جلالته الزاهر لها طابع جديد وبعد تثقيفي واجتماعي بعيدا عن التواكل والشعوذة.بل أصبحت بحق مواسم توعية وتثقيف إسلامي، وما موسم الشموع لمولاي عبد الله بن حسون ببرامجه المختلفة وبمشاركة ثلة من العلماء والباحثين والأساتذة الجامعيين والأكاديميين والشعراء لأكبر دليل على هذا التحول والتطور.

إن عيد المولد النبوي الشريف ليمثل فرصة لتأكيد التعلق المتين بصاحب الجلالة الملك محمد السادس أعز الله أمره ذلكم العاهل الباني لدولة الديمقراطية الحقة ورمز السيادة الوطنية وإنني لأغتنم الفرصة لأتقدم بأسمى آيات الولاء للقيادة المولية عن تمثينها الدعائم الديمقراطية والتقدم علما بأن صاحب الجلالة الملك محمد السادس الديمقراطي اجتماعيا ينهج سياسة الالتزام بمواصلة ما أسداه أبو الأمة صاحب الجلالة المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه في سبيل التعلق بالملكية الدستورية وتعدد الأحزاب واللبرالية الاقتصادية ودولة الحق والقانون والسياسة الإقليمية واللامركزية وصيانة حقوق الإنسان والحفاظ على الحريات الفردية والجماعية والذود عن أمن واستقرار الشعب المغربي.

محصل الكلام إن السياسة الملكية تتمحور أولياتها على القضاء على الفقر والبطالة والأمية وعلى النهوض بالتنمية الإقليمية وإن من واجب المواطنين والمواطنات أن يساهموا في بناء البلاد"المغرب الحديث" الذي يتطلب منا المحبة والتوحيد والتجند مع قوة إرادة واستقامة كل القوى الروحية والمادية إذ أن المواطنة واجب ومسؤولية تلكم المواطنة التي تمنحنا الفرصة للتعبير عن اعتزازنا بالانتماء للمغرب وبكوننا رعايا لملك هو محمد السادس الذي استطاع أن ينال احترام ومحبة الجميع للملكية في عالم القرن الحادي والعشرين.فبفضل ما أوتي من مواهب لدنية وما يعلنه من طيبوبة وبخاصة بتواضعه وحسن الاستماع وحسن الفعل تلكم الخصال التي تشخص بامتياز القيم الإسلامية والأخلاقية وتعطي مدلول الواجب وتمنح مسببات نجاح الديمقراطية العملية وتقوي دولة الحق وتصهر على احترام حقوق الإنسان فقد استطاع حفظه الله أن يرسي قاعدة أخلاقية للملكية وينال الاحترام من لدن كافة الأمة ليزداد عمق الدولة المغربية في الملكية والديمقراطية وليعرف الوطن على عهد محمد السادس ثورة بيضاء تعتمد على تصور جديد للسلطة التي يجب أن تكون في خدمة المواطن وليجعل من الإدارة أداة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.وإنها لمقاربة جديدة تجعل من كل فرد موردا وبالمعنى الاقتصادي عاملا يمثل ثروة متميزة.

ولقد برزت ثقافة جديدة يجب الاعتناء بنشرها ألا وهي ثقافة العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، "الحكم" معناه تعايش الحاضرة مع المواطن والمواطنة نفسها تقتضي واجبات تجعل من كل فرد مواطنا نشيطا في ملكية دستورية معتمدة على السيادة الشعبية.فلا أحد يحق له أن ينزع السلط من الشعب وإنما الواجب الرجوع إلى الحوار وعلى ممثلي الأمة حسن الاضطلاع بالمسؤولية التي أنيطت بهم لدى الاقتراع العام وأخيرا ففي قلب انبثاق الملكية المساواة والاعتقاد أن كل فرد يمتلك مؤهلات واسعة وان تكافؤ الفرص ليمثل قلب الميثاق الملكي.

فالمواطن إذن يجب أن يتمتع بمواطنته تاركا للسلطة العمومية واجب الوصاية من أجل ضمان الحرية الجماعية وذلك من شأنه أن يقلل من قدرات المواطن الإضرارية وينمي فيه قدراته الإيجابية لذا وجب استئصال جو التخوف لإقامة جو الثقة التي هي أثمن قيمة ديمقراطية، وهذه الشروط وحدها يمكن أن تبزغ القدرات الإيجابية للمواطن تحت وصاية سلطة منتجة علما بأن أنصار التشاؤم لا يفيدون الأمة بشيء إلا ما كان من ثقل انعزالهم لذا يتحتم على النخب السياسية أن تبين عن المشاركة في البناء في سبيل إيجاد مواطنة عملية واضحة المسؤولية في عمق الشأن العام عاملة على التطور على جميع المستويات وهكذا يدرك الكل بمن فيهم ذوو المستويات العليا أن التجند لا يأتي مجانا وإنما يتطلب تطور العقليات.فيجب أن ينصب اهتمامنا على تقوية مؤهلات المواطنين ليندمجوا في مجال العمل وليجدوا سبل التألق الشخصي الذي يعين على تشجيع وتسهيل مشراكتهم في المحيط المحلي ويحمل المنتخب على تجديد علاقته الاجتماعية وإقناع المواطنين المستكفين حتى يقبلوا على الاهتمام بالحياة السياسية ويدركوا أن الانتماء إلى الجماعة هو بلا ريب الاستجابة لمتطلباتها.إن التصويت واجب وهو وسيلة للتعبير وهو حرية لاختيار في بلد ديمقراطي، دون أن ندع لأحد أن يقول:ألا فائدة من السياسة مع أنها أول العلوم وأميرة العلوم كما عرفها أرسطو.

إن التربية لهي السبيل الملائم للنهوض بأعباء المواطنة والديمقراطية العملية كما صرح بذلك صاحب الجلالة محمد السادس في عدة مناسبات خصوصا في ندائه الموجه إلى المجتمع السياسي وقضاياه حيث دعاه إلى تسوية أجهزته وتجديد هياكله وتغيير طرق عمله وأن يولي اهتماما واسعا بوسائل عيش المواطنين عوض الجري وراء خدمة الأنانية وتحقيق الأغراض الشخصية والانسياق إلى التنازع مما يضر بفئات المجتمعات السياسية التي ينتظر منها على حد قول صاحب الجلالة أن تقوم بكامل مسؤولياتها الدستورية العاملة على تكوين وتأطير المواطنين.ملك نشيط تعمل إلى جانبه حكومة ديمقراطية وهذا يقوي مصداقية الأحزاب والمجتمع المدني الذي يساهم في الظل من أجل إغناء التراث الثقافي وإحيائه.

إنه الملك محمد السادس الذي يعمل تحت شعار"إن تكريس دولة القانون هو غاية ملكي" راسما استراتيجية معتمدة على رؤى واضحة وتشخيص قويم وصريح لوضع الدولة لوجوب مواصلة التغيير وإن ملك التغيير يحتاج إلى رجال التغيير وانطلاقا من الآن ذلك هو الهدف.إن التغيير يتطلب مجهودات من لدن جميع المؤسسات، وبالنسبة للدول الحديثة والحالية يجب أن تشمل ذلك التغيير الإدارات المركزية والأقاليم والمدن وكذا المجتمع المدني، على أن يبتدىء التغيير لدى النخبة السياسية وذلك يفرض تبادل الاحترام وانتهاج ديمقراطية عملية وحضارية، كما ينبغي أن يكون النهج واضحا نحو الهدف من أجل استباق الحدث، إذ أصبح اليوم يفترض التوقع لأخذ القرارات الاستراتيجية من أجل مواجهة الغد.

ولقد كان للزيارات التي قام بها صاحب الجلالة محمد السادس لعدة ولايات وأقاليم المملكة أحسن الأثر حيث أنعشت النفوس بما بثته من روح الأمل لدى المواطنين بهذه الأقاليم، وسيظل أثر هذه الزيارة المولوية قائما بهذه المناطق بفضل ما أبداه حفظه الله من اهتمام بالتنمية اللامركزية والنهوض بأحوال المرأة القروية وتحسين ظروف العيش في القرى والمناطق النائية وكذا بشؤون الطلبة وخاصة بالزوايا وكل مجالات إقامة الشعائر الدينية والروحية.وإنها لدينامية متعددة المعالم والأهداف لتعطي المعنى الدائم لتطور طال انتظاره.

وبالإجمال،فإن هذه اللقاءات مع الشعب مكنت من لإعطاء صورة واضحة عن مدى شعبية الملك وما ترمز إليه من ملكية دستورية تجمع بين الطارف والتليد والتخليد والتجديد.لقد عرف المغاربة في محمد السادس ملكا مناهضا للفقر، مواسيا للضعفاء والمعوزين، متعاطفا مع أبسط المواطنين، فليطل الله عمر هذا الملك الهمام سليل الدوحة العلوية الشريفة وضامن الوحدة الوطنية.وان هذا التعلق غير المحدود الذي يكنه الشعب لعاهله هو الذي من شأنه أن يضمن للوطن دوام الاستقرار والازدهار والكرامة، وبفضل هذه المحبة المتبادلة يمكن التغلب على كل الرهانات.

تقليد راسخ وسنة قائمة على مدى القرون لنما يمثل علاقة مقدسة بين الشعب الوفي والعرش المفدى وبفضلها أمكن الحفاظ على سيادة الوطن ووحدة ترابه كما حافظ على شخصيته وهويته وأصالته.إن الشعب المغربي الوفي لفكرة المسيرة الخضراء قد التزم بمسيرات جماعية اقتصادية واجتماعية بفضل السياسة الحكيمة للعاهل محمد السادس أدام الله نصره وتأييده وبفضل ما تحظى به البلاد في ظل نظام ملكية دستورية ديمقراطية، وما نتوفر عليه من تراث حضاري، مما يضمن لنا وسائل العيش في ظل الوحدة والاستقرار والحرية والكرامة والازدهار.

بهذه الروح التي ما فتئت تنتعش بها الحياة السياسية فينبغي أن يمتد الاهتمام إلى المجال الثقافي في مختلف مظاهره من أجل إيجاد الفرص بمختلف الأقاليم ليعيش المواطنون في أجواء ثقافية غنية أصيلة يجد فيها المتعطشون أغناء للبحث وإذكاء للذوق وحفاظا على التراث مع الإسهام في التطوير ليجد الخلف بدوره ما خلده السلف من أصالة وعبقرية متجددة.فعلى كل منطقة الحفاظ على قيمها المتميزة ليتكون منها نموذج عام لإغناء الثقافة الوطنية وليضمن معها خلود التراث الوطني الحضاري.

وفي الختام نرفع أكف الضراعة إلى الباري جلت قدرته أن يرعى بعينه التي لا تنام ملكنا المفدى، ويبارك في عمره، ويبقيه ذخرا وملاذا وقائدا ملهما لهذه الأمة، وأن يعزبه الإسلام ويبارك خطواته النيرة الموفقة لخير هذا الشعب الوفي المتعلق بأهداب عرشه.كما نسأله تعالت عظمته أن يشد أزره بصاحب السمو الملكي الأمير السعيد مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة، وأن يمطر شآبيب الرحمة والرضوان على فقيد العروبة والإسلام جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه وفقيد المغرب العظيم جلالة المغفور له الحسن الثاني قدس الله روحه، ويجعلهما مع الأبرار في مقعد صدق عند مليك مقتدر،

إنه نعم المولى ونعم النصير.