الرباط02-10-2008-

كنا نخاف من الحسن الثاني، واليوم أصبحنا نخاف على محمد السادس"، تردد هذا الكلام كثيرا على لسان رجل الشارع،بعد تقلد الملك الشاب العرش،فجبروت الحسن الثاني كان يبعث الاطمئنان في نفوس الشعب،الذي كان يعلم أن البلاد محكومة بقبضة من حديد ومحفوظة ببركة ملكها 9 سنوات مرت على رحيل الحسن الثاني تاركا المغرب يتيما دون"حامي الوطن"و"موحد البلاد" ، كما كان يحلو للملك الراحل أن يصف نفسه،يمثل الحسن الثاني في الذاكرة الجماعية اليوم الأشياء كلها ونقيضها، فهو الملك المستنير

HASSAN2

والطاغية الإقطاعي وهو المثقف اليقظ وصاحب القرار السلطوي، فالأسطورة الحسنية ترتوي من هذه التناقضات لترسم ملامح شخصية بالغة العمق لا يمكن اختزالها بنعت معين، يرجع الانبهار بشخصية الحسن الثاني بالطبع إلى كونه ملكا،بكل ما يقتضيه ذلك من صفات ظاهرة وباطنة، لكنه يرجع كذلك بالأساس إلى استمرارية ملكه، فهو وريث حكم دام لقرون وسير شعبا وأخضعه، لكنه تميز أيضا بشخصية لامعة أبهرت معاصريها، متجاوزة حدود المملكة، كان له من المعارف العلمية ما يجعله يحاور كبار أطباء العالم الذين عالجوه،و كان يستعين بخدمات ونصائح أعلام القانون، أمثال موريس دوفيرجي وجورج فيديل،ب عد رحيله قدمت صفوة العالم من بيل كلينتون إلى جاك شيراك،لتشييع جنازته والسير وراء موكبه الأخير، في حين أن الكثير من هؤلاء لم يتحركوا للمشاركة في مراسيم دفن"ابن عمه"ملك الأردن بعد وفاته شهورا قليلة بعد ذلك،،،فالإشعاع الدولي الذي أعطاه الحسن الثاني لحكمه،وكذا ترسيخه الماهر لصورته الازدواجية،هو ما خول له الدخول في مصاف كبار الملوك،لكن شعبه كثيرا ما كان يدفع ثمن ذلك بدفن والدي، كان علي أن أدفن معه ولي عهد لم يكن يتوقع أن يعتلي العرش يوما ما"، هذا ما قاله الحسن الثاني لاريك لوران في سيرته الذاتية " ذاكرة ملك" عندما سأله عن توليه الحكم عام 1961، فارق السن بينه وبين أبيه الذي لا يتعدى 20 عاما، كان يجعله يستبعد فكرة خلافته في الحكم، إذ كان يعتقد أنه سيظل مجرد"مساعد فذ" لملك شاب سيتربع على العرش طويلا،و مع ذلك فقد كان ولي العهد مهيئا بما يكفي ليصبح ملكا، ومحمد الخامس لم يخف يوما أن الحسن الثاني سيخلفه بعد رحيله... وسرعان ما وجد الأمير الشاب نفسه في عباءة الملك، كيوم الرجوع من المنفى عندما اجتمعت الحشود لاستقبال ملكها العائد من المنفى والتعبير عن فرحتها مرددة هتافات"عاش الملك" التفت ولي العهد إلى والده وسط هذا الجو الحماسي وسأله باختصار"ماذا تفعل لو أن الشعب بدل أن يهتف بنصرك طالب بمماتك ؟"، وكان جواب محمد الخامس، "ليحفظني الله من ذلك"،لكن الأمير استطرد قائلا،"أما أنا فسأسحق هؤلاء الناس الهستيريين"، منذ كان وليا للعهد، بل ومنذ كان طفلا، كان الحسن الثاني واعيا بالدور الذي ينتظره ويغمره اعتزاز جد مخزني برفعة القدر،ف قد ذكر الكاتب الصحفي انياس دال،في كتاب"الملوك الثلاثة"،الواقعة التي حدثت بين الأمير الشاب مولاي الحسن في المنفى بمدغشقر وبين عميد شرطة فرنسي،حيث قال له هذا الأخير"صاحب الجلالة، أوغير ذلك،هذا لا يهمني"،وردا على هذا الكلام الجارح، كتب الأمير رسالة استنكار(استعادتها فيما بعد مصالح أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية) إلى طبيبه الفرنسي الذي حضر الواقعة، قائلا فيها"كنت أتوقع منكم باعتباركم صديقا جليلا،أن ترفضوا ركوب السيارة التي يركبها من تطاول على سمونا، حسنا مهما يكن فأنا أعول عليكم لكي لا تتكرر مثل هذه الأحداث المكدرة، فصاحب الجلالة تألم كثيرا بعد أن نقلت له الواقعة،ومثل هذه الإساءة لا يمكنها أن تخلف لديه انطباعا جيدا عن أبناء بلدك"، فبالرغم من نفيه وإخراجه من بلاده من طرف المستعمر الفرنسي، كان مولاي الحسن يحس بسموه ورفعة قدره أكثر من أي وقت،إن محنة المنفى التي عاشها الحسن الثاني هي التي صنعت أسطورة ملك ناقم لم يتقبل يوما إهانة والده الذي تحمل طويلا سلطات الحماية

عندما سأله ايريك لوران عن علاقته بوالده محمد الخامس،أجاب الحسن الثاني"لقد أصبحنا صديقين مقربين مع الحفاظ على كل الاحترام الواجب للأب"،مؤكدا بذلك فكرة تأثيره وسطوته على أبيه الملك،وهي الفكرة التي يرجحها كذلك انياس دال،الذي قال في كتابه"الملوك الثلاثة" ،"إلى جانب أب هش الصحة قلق ومتردد،وأمام طبقة سياسية لم تتخل عناصرها البارزة عن فرض رؤيتها على القصر، سرعان ما فرض مولاي الحسن،الذي كان يسيطر فكريا على والده نفسه على جميع الأطراف كمحاور أول".