الرباط08-06-2009

كنت سأشكل مجلس وصاية وأذهب لأعيش في فرنسا أو نيوجيرسي بأمريكا
كل الذين عايشوا الملك الراحل لم يقتنعوا أن الرجل كان على استعداد للتخلي عن العرش. ولعل من أقوى الأمثلة التي يقــــدمها الكثــــيرون هي أنه كان أكثر استعجالا  على الحكم حتى وهو لا يـزال وليا للعهد حيـــنما أســـقط حكومة عبد الله ابراهيم ليترأسها بنفسـه، ويفتح بذلك تاريخ المواجهة مع الأحزاب السياســـية ورجال المقاومة

______________________________________

لم يتردد الحسن الثاني، وهو يرد على أسئلة الصحافي الفرنسي "اريرك لوران" في "ذاكرة ملك"، في الاعتراف أنه ليس من المستحسن أن يمكث المرء لمدة طويلة جدا في الحكم لأن قوة الإدراك تأخذ في التلاشي مع تقدم العمر
ولم يكن الملك الراحل، حينما فكر في المسيرة الخضراء لاسترجاع أقاليم الصحراء بعد أن قضت محكمة العدل الدولية بوجود روابط بيعة بين المغرب وهذه الأقاليم قبل أن تحتلها اسبانيا، يتجاوز الستة والأربعين سنة. ما يعني أن قوة الإدراك لديه لم تأخذ في التلاشي بعد. ومع ذلك كان قد أسر لبعض المقربين منه إنه كان على استعداد للتخلي عن العرش إذا ما خسرت مسيرة 350 ألف متطوع الرهان يحكي الحسن الثاني في "ذاكرة ملك" ردا على سؤال: ماذا كنتم  ستفعلون لو أخفق رهانكم على المسيرة الخضراء؟
"عندما عدت إلى الرباط قادما من أكادير" يقول الملك الراحل" صعدت شرفة القصر لأتأمل اخضرار ملعب الكولف، ونظرت إلى البحر نظرة مغايرة وأنا أخاطب نفسي : لقد كان من الممكن ألا تعود إلى الرباط إلا للم حقائبك استعدادا للمنفى
"فلو فشلت المسيرة لكنت استقلت". إنه قرار أمعنت التفكير فيه طويلا بحيث كان يستحيل على أن أترك على الساحة ضحايا لم يكن لهم من سلاح سوى كتاب الله في اليد، والراية المغربية في اليد الأخرى.. إن العالم كان سيصف عملي بالمغامرة وكما نقول عندنا في اللهجة المغربية : " ما كان بقى لي وجه أقابل به الناس وحينما سأله الصحافي عن الصيغة الدستورية التي كان سيلجئ إليها، رد الحسن الثاني " كنت سأشكل مجلسا للوصاية في انتظار أن يبلغ نجلي سن الرشد. وكنت سأذهب للعيش في فرنسا أو الولايات المتحدة الأمريكية وبالضبط في "نيوجرزي" حيث أتوفر على ملكية هناك حينما اختار الحسن الثاني صيغة مسيرة شعبية لاسترجاع الصحراء، بعد أن قضت المحكمة الدولية في الأمر، اعتبر الكثير من المتتبعين كيف كان الملك مغامرا خصوصا وقد اختار أن تتشكل هذه المسيرة الشعبية من 350 ألف متطوع من بينهم 10 في المائة من النساء، ما اضطر الملك الراحل إلى الرد على المتشككين في خطاب للعرش تلاه من أكادير يوم الخامس من نونبر من سنة 1975 يقول الحسن الثاني "إن الكثير من الناس ظنوا أنها مغامرة، وظنوا أنها عملية سياسية تمكننا من تغطية عيوبنا ومشاكلنا، والحالة أن الذين قالوا هذا الكلام أو كتبوه، فمنهم من يجهل المغرب ولا حرج عليه، ومنهم من يعرف ومع ذلك كتب عليه ما كتب أو قال فيه ما قال... وما ذلك إلا لحسد وحقد ضد هذا البلد الذي أعطى ولله الحمد، وسوف يعطي الأمثلة والدروس لقد اعترف الملك الرحل في أكثر من مناسبة انه كان أكثر استعجالا في تدبير الحكم حينما كان عمره عشرون سنة. لكن هذا الاستعجال خف حينما بلغ سن الخامسة والعشرين، ثم قل وهو في سن الثلاثين
لكن وهو في سن السادسة والأربعين حينما قرر تنظيم مسيرة شعبية إلى الصحراء، كان يلعب بالنار، كما كتب بعض السياسيين، خصوصا وأن تدبير كل هذه الأعداد لوجيستيكيا كان يحتاج للكثير من الصبر، وللكثير من التدبير العقلاني. لذلك يحكي الملك في بعض المناسبات كيف ائتمن سره على الثلاثي الجنرال اشهبار الكاتب العام لإدارة الدفاع، والجنرال بناني من المكتب الثالث، والكولونيل ماجور الزياتي من المكتب الرابع، الذين أدوا اليمين على عدم إفشاء السر حتى وإن لم يتفقوا على الفكرة، قبل ن يتم اطلاع الحكومة وعمال الأقاليم بعد ذلك لوضع الترتيبات اللازمة، خصوصا ما يتعلق بكمية الخبز التي كان المتطوعون يحتاجونها، وأعداد الشموع لإنارة الخيام، وعدد السيارات والشاحنات والحافلات
لقد غامر الحسن الثاني، كما كتبت الصحافة الفرنسية وقتها بتوفير 7813 شاحنة، و10 آلاف مؤطر، و17 ألف طن من المأكولات، و63 طنا من الماء، و2.590 طن من الوقود. وهي أرقام مكلفة على ميزانية بلد ظل يعيش لسنوات جفافا وسوء تدبير لماليته العامة
غير أن كل هذا لم يكن ليثير الانتباه أكثر مما أثارته قضية هذه الحشود البشرية لو لقيها أي مكروه، على الرغم من أنها مسيرة سلمية
ولم يكن الملك الراحل يخفي في أكثر من خطاب هذا التخوف، خصوصا حينما قال في 16 أكتوبر من سنة 1975 بمراكش: " منذ شهرين وأنا أحمل هذا الحمل في أعصابي زيادة على الأعباء الأخرى. منذ شهرين وأنا أومن عشر مرات في الصباح، وفي الليل أشك عشرين مرة. شهران وأنا أقول هل من حقي أن أدفع شعبي، أو من غير حقي؟ هل من واجبي أو من غير واجبي
ليخلص في نفس الخطاب: "من واجبي ومن واجبك ومن واجبنا جميعا أن نسير إلى الصحراء. ومن واجبنا أن نسترجع الصحراء سلما، ولكن ليس باللسان بل بالمشي على الأقـدام حتى نصل إليها ولعل هذه هي الصورة التي ظلت تؤرق الحسن الثاني خوفا من أن يحدث مكروه لثلاثمائة وخمسين ألف متطوع. ولذلك لم يتردد في الاعتراف أنه كان سيستقيل لو فشلت المسيرة، لأنه كان سيترك خلفه ضحايا لم يكن لهم من سلاح غير كتاب الله في اليد، والراية المغربية في اليد الأخرى وفي "ذاكرة ملك"، توقف الحسن الثاني مليا عند محطة الاستقالة من الحكم حينما قال رد ا على سؤال الصحافي
"أنا الآن أكثر استعجالا لأنني أرى أنه قد يصل المرء إلى سن يسقط معها في الخرف ويجر معه بلده في متاهته.. ما يعني يضيف الملك الراحل"إنه ينبغي على المرء عندما يبلغ سنا متقدمة من العمر أن يتنازل عن الحكم
غير أن الحسن الثاني عاد ليدخل في نقاش قانوني حول الموضوع وهو يستحضر قضية تنازل ملكة انجلترا عن العرش لفائدة نجلها شارل. لقد تفرق فقهاء القانون الدستوري بين من اعتبر انه ليس من حق الملكة إليزابيت التنازل عن العرش بالنظر إلى أن الشعب الانجليزي هو الذي أجلسها على هذا العرش وهو وحده الذي يمكن وضع حد لملكها لم يخف الملك عدم موافقته لهذا التوجه لأنه يعتبره قمة العبودية. ويضيف أنه ينبغي أن تترك لكل إنسان إمكانية التقاعد
فهل كان الحسن الثاني قد شعر، خلال أيام المسيرة الخضراء، بضرورة الخلود للراحة والتقاعد من ممارسة الحكم، وهو ما لم يكن يظهر جليا في العديد من المناسبات والأحداث على الرغم من أنه قال في مناسبات أخرى "إن المرء حينما يتجاوز سن الخامسة والأربعين يراوده شعور بأن الشيخوخة بدأت تدب أليه فالسلطة، كما يصفها الحسن الثاني، شبيهة بالرحى. فإن لامسها المرء بلطف صقلته، وإن هو على العكس ضغط عليها بقوة مزقته إربا إربا
في العاشر من يوليوز من سنة 1971 "استقال" الحسن الثاني من الملك مباشرة بعد انقلاب الصخيرات الدامي حينما وضع كل السلط المدنية والعسكرية بيد الجنرال أوفقير بمبرر استثبات الأمن وفي نونبر من سنة 1975، سيعلن أنه كان على استعداد للتخلي عن الملك لفائدة مجلس وصاية في انتظار أن يصل نجله سن الرشد، لو فشلت المسيرة الخضراء هل كان الملك الراحل، لما عرف عن شغفه وحبه للسلطة، مقتنعا بهذه الخطوة اقتناعا تاما، أم أنها الظروف التي أحاطت بعملية الانقلاب، وأعداد الذين سقطوا قتلى في ذلك السبت الأسود بقصر الصخيرات، هي التي فرضت عليه الاستقالة من الحكم ولو مؤقتا، قبل أن يعود لممارسته بشكل أقوى وأشد سيمتد إلى لحظة وفاته
وهل كان الملك مقتنعا بالتنحي عن الملك لو فشلت المسيرة، أم أنها لحظة استرخاء عبر من خلالها الحسن الثاني عن شهامة الملوك بعد أن عاد المتطوعون إلى قواعدهم شبه سالمين، خصوصا وأن اختيار 350 ألف متطوع للمسيرة لم يكن اعتباطيا  فالملك يعترف أنه اختار هذا الرقم لأنه هو عدد مواليد المغرب سنويا، ما يعني أنه كان قد وضع كل حسابات سقوط ضحايا برصاص المستعمر الاسباني وهو يعد للمسيرة
كل الذين عايشوا الملك الراحل لم يقتنعوا أن الرجل كان على استعداد للتخلي عن العرش. ولعل من أقوى الأمثلة التي يقــــدمها الكثــــيرون هي أنه كان أكثر استعجالا  على الحكم حتى وهو لا يـزال وليا للعهد حيـــنما أســـقط حكومة عبد الله ابراهيم ليترأسها بنفسـه، ويفتح بذلك تاريخ المواجهة مع الأحزاب السياســـية ورجال المقاومة.