الرباط30-06-2009

أثناء إعداد هذا الملف، طفا على سطح الأحداث نبآن، الأول هو تداعيات الصراع اليساري "الاستقلالي" حول شخصيةالمهدي بنبركة باتخاذه أشكالا درامية تثير الشفقة، والثاني هو ظهور ضحايا من نوعية جديدة يطالبون بإنصافهم على خلفية التصريحين

___________________

الصحافيين للضابطين السابقين "المرزوقي" و "حشاد"، وهؤلاء الضحايا هم ضيوف وموظفو القصر الملكي ممن قتلوا في حمى إطلاق النار على يد الانقلابيين، ولأن هذه الفئة لم تكن تذكر في سياق الحديث عن سنوات الرصاص و الانقلابات وتداعياتها، فإن هذين النبأين رسخا لدينا قناعة هي أن مسرح "الجريمة" يحتاج إلى ترتيب أو إعادة ترتيب على الأصح، ربما هي رياح العدالة الانتقالية بدأت تهب على المغرب كشفا و بوحا و تنقيبا...و مساءلة أيضا، المهم هو أن المسرح الدموي يحتاج إلى إعادة ترتيب، ترتيب  

الأسماء، أسماء من كانوا ضحايا و لم يصيروا، و أسماء من كان هؤلاء يشيرون إليهم خفية و همسا أنهم يتحملون مسؤولية ما جرى لهم، لينبعثوا بمقتضى ثقافة الإنصاف مطالبين بإعادة ترتيب أسمائهم بالنظر لحيثيات الجريمة على أنهم ضحايا، ضحايا لم يتسن لهم أن ينعموا بنسيم الإنصاف، ويحظوا مثلا بفرصة لجبر ضررهم و الاستماع لشكواهم على البث المباشر، فكانت فيهم الرعية وكان الراعي، فأما الرعية فأسسوا لمقامهم الجديد جمعية اختير لها من الأسماء "جمعية ضحايا أحداث الصخيرات"، وأما الراعي فكان الحسن الثاني، أفلا يقتضي الترتيب الجديد أن ينصف هو أيضا بعيدا عن الخلفيات وعن الصواب والخطأ وعن أصحاب الحق وغيرهم، لأنه ببساطة رجل استطاع أن يوصل سفينة المغرب أو سفينة عرشه إلى بر قد لا يكون بالضرورة البر الذي طمح إليه من حاربوا نظامه سرا و علانية، ،وقليلون هم الذين يصلون إلى هذا البر، " فإذا نجا منهم عشرة مات ألف"، بحسب ما صرح به الحسن الثاني في "ذاكرة ملك/ص 33".

 وفق هذه الرؤية الجديدة، سيكون علينا أن نبحث "في" و "عن" بوح الرجل و أن نستمع إليه ، تماما كما كانت لنا الفرصة لنستمع إلى الطرف الآخر، ولن نجد أفضل مما باح به علنا في حواراته الصحفية، أو سرا لبعض خلصائه، اخترنا عن الأولى "ذاكرة ملك"، ولم يكن اختيار مفهوم الذاكرة في نظرنا عشوائيا، وما أحوجنا اليوم لإعادة ترتيب ذاكرتنا، والثانية من كتاب "كلام في السياسة" لمحمد حسنين هيكل 

         في الفصل الرابع "المهمة الملكية الصعبة" نجد الملك الراحل يصف لنا، ببلاغته المشهود له بها، الوضع الداخلي لمغرب ما بعد الاستقلال، مشبها المغرب بملعب كرة القدم الذي يضطر فيه الحكم إلى الجري وراء الكرة إن هو أراد أن تجري المباراة على أحسن حال، ويتعين عليه أحيانا استعمال الصفارة وأحيانا إخراج البطاقة الحمراء في وجه لاعبين ليسوا بالضرورة ذوي نيات حسنة، وهي مهمة صعبة جدا، خصوصا في مجال السياسة، كمجال يكذب دوما كل التكهنات، "فالسياسة تشبه شيئا ما أحوال الطقس، ومن الخطأ القول إن الإنسان يستطيع أن يخطط لكل شيء" {نفس المرجع ص 32،}، ومصدر هذه التقلبات هو ابتلاء المغرب بطبقة سياسية عريضة ممن أسماهم ب"الهائجين"، هذا في وقت كانت فيه طبقة رجال الدولة منحسرة، فضلا عن غياب الديمقراطية، في أجهزتها الحزبية، "إذ يكفي أن يكون المرء على قدرة فائقة على التهييج" ليفرض نفسه زعيما على الحزب، وهذا ما ثبط عمل حزبي الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية،" واضطر معها المغرب أن يدفع فاتورة، ليست اقتصادية و لا مالية و لكن إنسانية {نفس المرجع ص 34}"، حضر فيها الانتقام، وغاب الهدوء الفكري، لتبقى الملكية بالمقابل هي "المظلة التي يحتمي بظلالها الكثيرون، بينما أتلقى أنا ضربات الشمس"{نفس المرجع/ص 58}.