الرباط 28-7-2009-

  تعزز الموقف المغربي في مسعاه الجديد المتعلق بالتعاطي مع قضية الصحراء سواء على مستوى مجلس الأمن أو هيئات أممية أخرى، وذلك منذ ثلاث سنوات عندما قدمت المملكة المغربية للأمين العام للأمم المتحدة مقترح الحكم الذاتي الذي يشكل حاليا ليس خيار سلام جاد فحسب، وإنما أيضا عرضا واقعيا وعمليا لإخراج المشكل من المأزق 

_____________________________________

وجاء العرض المغربي، الذي تم بمبادرة من جلالة الملك محمد السادس، بعد مشاورات وطنية واسعة، بمسعى ومقاربة جديدين في التعاطي مع هذا الملف، فهو ينهل من معين التجارب التي اعتمدت في الديمقراطيات الغربية الكبرى في مجال تدبير الشؤون الجهوية

فقد استأثر هذا الحل باهتمام الديمقراطيات الغربية الكبرى، فهو يأخذ بعين الاعتبار المصالح التاريخية للمغرب والإجماع الوطني حول الوحدة الترابية، ويشرك السكان الصحراويين، الذين تعيش غالبيتهم الساحقة بالمغرب، في مسلسل التنمية المحلية من خلال تمكينهم من تولي شؤونهم بأنفسهم

والواقع أن المجتمع الدولي قد سئم من طول أمد هذا النزاع المصطنع الذي افتعلته الجزائر في ظرفية دولية أصبحت الآن متجاوزة، كما سئم من العراقيل التي يضعها الانفصاليون الذين لازالوا يتشدقون بخطاب جامد ومتجاوز، لا يتسق أبدا مع التحولات العالمية الكبرى التي تدعم التجمعات ذات الطابع الفيدرالي

وبالتأكيد، فقد أعطى الاقتراح المغربي دينامية جديدة لمسلسل البحث عن تسوية لهذا المشكل، كما لقي مساندة من قبل المجتمع الدولي، بل أكثر من ذلك، توصل المبعوث الشخصي السابق للأمين العام للأمم المتحدة السيد بيتر فان فالسوم، الذي كانت الجزائر قد رحبت بتعيينه، إلى خلاصات أساسية نابعة من تجربته في الميدان، مفادها أن المشاريع الاستقلالية للجزائر وللانفصاليين تعتبر غير واقعية ويستحيل تحقيقها

فبفضل النظرة الثاقبة لجلالة الملك وتبصره، وانطلاقا من حرص جلالته على التوصل إلى حل توافقي يضع حدا لمشكل مصطنع سمم الأجواء في منطقة المغرب العربي لأزيد من ثلاثة عقود وعرقل كل جهد للتعاون، قدم المغرب للأمم المتحدة وطرح على طاولة المفاوضات مقترح الحكم الذاتي الذي يشكل بداية منعطف هام في معالجة هذا الملف ويفتح آفاقا جديدة أمام بناء المغرب العربي، شريطة أن تعمل الجزائر، التي تعتبر الخصم الحقيقي للمغرب في هذه القضية، على استغلال هذه الفرصة 

وفي هذا السياق، أكد جلالة الملك في خطاب العرش في شهر يوليوز 2008 "الإرادة الراسخة للمغرب في مواصلة نهج اليد الممدودة، بهدف إصلاح ذات البين وترسيخ الثقة، بالحوار والمصالحة الشاملة، مع الأطراف المعنية

++ الحكم الذاتي ضمن القرارات الدولية
ومنذئذ، أصبح المقترح المغربي حاضرا في عدد من قرارات مجلس الأمن، الذي وصف الجهود المغربية خلال السنوات الأخيرة ب`"الجدية وذات المصداقية"، وكان آخر هذه القرارات، القرار رقم 1871 الذي تمت المصادقة عليه في أبريل 2009 

وبالفعل، فقد جدد مجلس الأمن في هذا القرار، بعبارات واضحة ولا لبس فيها، تأييده ودعمه للمقترح المغربي، معبرا عن ارتياحه للجهود المبذولة من طرف المملكة من أجل المضي قدما في اتجاه تحقيق تسوية لهذا المشكل، وذلك حينما أكد أنه "أخذ علما بالمقترح المغربي المقدم إلى الأمين العام للأمم المتحدة في 7 أبريل 2007، وأنه يعبر عن ارتياحه للجهود الجدية وذات المصداقية التي يبذلها المغرب من أجل المضي قدما في اتجاه إيجاد تسوية (للنزاع) 

ومنطقيا، كان من المفترض أن يشكل هذا المقترح أرضية أساسية لكل مباحثات مع الجزائر والانفصاليين الذين لازالوا يتلكأون ويتمسكون بأطروحاتهم القديمة التي تعود لحقبة السبعينات

فمن المفروض أن يكون موضوع الجولة الجديدة من المفاوضات، التي أعلن عنها مؤخرا المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة السيد كريستوفر روس، هو بحث مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب والذي أشار إليه القرار المذكور، وقرارات أخرى سابقة، باعتباره عرضا من شأنه تحقيق تقدم على درب إيجاد تسوية لهذه القضية 

لقد حدد المجتمع الدولي، بما فيه الدول المؤثرة، مواقفه بهذا الخصوص، وهي المواقف التي تزكي وتؤيد المقترح المغربي باعتباره مخرجا لهذا النزاع

++ المغرب، قوي أمام جمود الأطراف الأخرى

فضلا عن كونه يستمد قوته من الممارسات الديموقراطية المعمول بها في الديمقراطيات الكبرى، يتعزز المقترح المغربي بجمود الأطراف الأخرى التي لا زالت تلوح بخيار الاستفتاء، صيغة الاستقلال، البعيد كل البعد عن واقع المنطقة والعالم

كما يتعزز المقترح المغربي بالتقدم الذي حققته المملكة في مجالات الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكامة الجيدة والحريات والاختيارات السياسية الكبرى، وخاصة سياسة "الجهوية المتقدمة والمتدرجة التي تشمل جميع جهات المملكة بما فيها جهة الصحراء الكبرى"، وهي السياسة التي تنكب لجنة متعددة الاختصاصات حاليا على وضع تصور عام لها

وبالمقابل، تشهد مخيمات تندوف، منذ عدة سنوات، حركات احتجاجات وانشقاقات واسعة تفضح زيف تمثيلية الانفصاليين، ولا سيما مع استمرار النزيف الداخلي الكبير، والتحاق عدد كبير من محتجزي هذه المخيمات بالمغرب الذي يعيش به حاليا معظم القادة السابقين للانفصاليين. هذا بالإضافة إلى كون حوالي 20 بلدا سحب، خلال السنوات الأخيرة ، اعترافه بالجمهورية الوهمية جنوب غرب الجزائر

وعلى صعيد آخر، انفضحت أمام المجتمع الدولي عمليات تحويل المساعدات الإنسانية الدولية الموجهة لمخيمات تندوف، وهي المساعدات التي تباع في أسواق الجزائر وفي الدول الواقعة جنوب هذا البلد، كما ينتهي المطاف بالأموال التي توجه للمخيمات في الحسابات البنكية الخاصة للانفصاليين الذين اقتنوا إقامات فخمة في إسبانيا، وغيرها. كما أن منظمات غير حكومية، مشهود لها بالمصداقية، لم تتوان عن فضح ممارسات الاستعباد والاضطهاد والقمع التي ترتكب في المخيمات

+ تأييد دولي للمسعى المغربي+

بعد فشل سلسلة من المخططات الرامية إلى تسوية هذه النزاع الجزائري المغربي المحض، اقترح المغرب مقاربة براغماتية وواقعية ومتحضرة لوضع حد لهذا النزاع، لقيت دعم مجلس الأمن الدولي وجميع هيئات الأمم المتحدة

وحسب التصور الجديد للهيئات الدولية، وبالنظر للبعد الدولي لهذا النزاع، فإن الحكم الذاتي يظل حلا واقعيا يفتح الباب أمام خيار ثالث لتسوية الملف 

إن المملكة، القوية بالمكانة المتميزة التي تحظى بها لدى شركائها بفضل الإصلاحات الجريئة التي انطلقت في السنوات الأخيرة في مجالات حقوق الإنسان والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والانفتاح على العالم، تمكنت من اقتراح مقاربة جادة وذات مصداقية في الوقت نفسه، تستند إلى النجاحات التي حققها مسلسل الحكم الذاتي في جميع المناطق التي طبق فيها بالعالم

وقد استأثرت هذه المقاربة، على وجه الخصوص، باهتمام البلدان الغربية، التي تقدر، عاليا، المساهمة القيمة والإيجابية لمسلسل الحكم الذاتي في التنمية الجهوية وترسيخ الديمقراطية والحفاظ على الخصوصيات الثقافية الجهوية 

وإجمالا، فإن المسعى المغربي هو بمثابة توافق دون تقديم أي تنازل في ما يخص الوحدة الترابية للمملكة وسيادتها على أقاليمها الجنوبية