الرباط -10- 08-2009-

كثرت التحليلات والتحقيقات والتصنيفات حول «حصيلة» عشرية الملك محمد السادس. والحق أن كلمة «حصيلة» تؤشر على أن الإعلام الرسمي وغير الرسمي، وسواء استعمل الكلمة أو لم يستعملها، يؤمن ضمنيا بضرورة محاسبة الملكية ووضع عملها في محك المساءلة والتقويم. كلنا يعرف أن المحاسبة لا تطال الملكية، لذلك فمجرد الحديث عن حصيلة حكم الملك خلال

____________________________________

العشرية شيء لا يستهان به. ما من شك أن هناك رغبة قوية عند الملك للتقدم بالبلد اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وحتى سياسيا  وهذه الرغبة لا تحذوها إلا بسطه لسيطرة شبه ـ مطلقة على المجالات السياسية والدينية والاقتصادية. وهذا هو التناقض الجوهري الذي يقوم عليه النظام، أي هو هذا «الاستبداد المستنير» الذي يجمع بين سلطوية الأمير، المقبولة والمباركة بل والمدعمة بدون قيد أو شرط من طرف المؤسسات السياسية والجماهير، التي أصبحت تبدو وكأنها معطلة ـ هل هو تعطيل ذاتي أم مفروض؟ ـ وبين انفتاح أملته ظروف انتقال الحكم من ملك إلى ابنه. وتمثلت هذه الظروف في مجموعة من الخطوات الهامة والمحسوبة من خلال قرارات «اللبرلة» التي مهدت لحكومة التناوب، هذه الحكومة التي أتت لضمان الانتقال والحسم في قضية اقتسام السلطة التي لطالما طالبتها المعارضة السابقة، وذلك بالإشهاد على نهايتها. لقد أشهدت العشرية على نهاية «الانتقال الديمقراطي» في مهده، وذلك لأن الانتقال كما عرفته مجتمعات أخرى، يقوم على مقومان أساسيان: أولهما تغيير نظام سياسي بنظام آخر، ونحن في في المغرب مازلنا في ظل نظام ملكي بنفس السلط والمقومات، وثانيهما أن التغيير يقوم على قيام قوى سياسية واجتماعية جديدة بتصورات ملائمة، ونحن أردنا القيام بالتغيير بقوى شائخة ومثخنة بثقل الماضي. لا يكمن المشكل بالضبط في قضية الانتخابات، بقدر ما يكمن في خلق ديناميكية قوة في المجتمع المدني وفي المجتمع السياسي بتعبئة هيئات سياسية ومدنية قادرة على تأسيس قاعدة صلبة للمواطنة وإرساء أسس المنافسة في الفضاء السياسي والمراهنة على انتزاع المبادرات والقرارات لن يكون هناك انتقال ديمقراطي بدون تمهيد الطريق عن طريق قوى سياسية ومدنية ـ اجتماعية حقيقية لأجل الانطلاق في بناء دولة مؤسسات والانتقال إلى الملكية البرلمانية. لكن هذا كلام قيل وأعيد ولا يستعمل في المغرب إلا من أجل التفاوض على المواقع، والصراع الرمزي ما وقع خلال هذه العشرية هو إعادة إنتاج نظام سلطوي بصيغة مختلفة عن السابق، بدون قلاقل كبيرة وبدون صراعات صريحة أو بدون نقاش عمومي حول المشروع السياسي المغربي المراد تحقيقه. لقد وصل المغرب ربما إلى درجة الصفر في قدرته على إبداع أو ابتكار الكتابة السياسية. يجوب الملك محمد السادس فضاءات مملكته مطمئنا، متفقدا لمشاريعه الكبرى مستمعا إلى تريد الجماهير لعبارات التمجيد، كما جمع بين يديه كل السلطات السياسية، التشريعية، التدبيرية، الدينية، الاقتصادية دون أن يجد أية مواجهة أو مقاومة. لا أحد سينكر أن هذا الوضع الاحتكاري لم يستعمله الملك من أجل الطغيان، بل أن الاستمرار والبقاء الذي يضمنه جعله يستمر في إطلاق المشاريع وخصوصا المشاريع ذات الصلة بالبنيات التحتية والاقتصادية وذات الصلة بالتنمية الاجتماعية. خلاصة القول إن أغلب «الإصلاحات» التي انطلقنا تأتي من فوق، من الملكية، لأن مخيلة الأحزاب أرض خلاء، لكن وضع الاحتكار هذا ووضع الاستفراد هذا إن كانا يعفيان المغرب من «دستور ديمقراطي» ومن «تحول ديمقراطي»، إلخ... فإنهما لا تعفيان الملكية من احتمال الوقوع في عزلة ربما ستكون نتائجها وخيمة، اعتبارا لأنها تقريبا تحكم لوحدها يبدو أن إشكالية التغيير، التي تعتبر الإشكالية الأكثر أهمية لتقييم العشرية، تختزل في التحولات الواقعة على مستوى البنيات التحتية في كافة المجالات ـ الاتصال والمعلوماتية، الموانئ، السياحة، الكهرباء، الطرق، الرياضة إلخ... وما يتبعها من تعميق لمظاهر التحديث وتثمنها الأحزاب، والهيئات والقوى الاجتماعية، والطبقة السياسية برمتها صحيح أن هناك خصاصا كبيرا على هذا المستوى تركه عهد الحسن الثاني، لكن الرهان الأكبر في إشكالية التعبير التي لم تدبر هي إشكالية التغيير السياسي، وعلى هذا المستوى فإن البون شاسع بين الشعب والمؤسسات السياسية، وبينه وبين سلطة القرار، كما أن الفضاء الحميمي للقصر هو المهيمن الحقيقي على الحقل السياسي والاقتصادي، مما يعني أن تمثل الملكية للحكم لم يخرج عن الأقانيم التقليدية