الرباط -10- 08-2009-

الحسن الثاني كان يخاف على عرشه فطوق نفسه بالخبراء في الأمن والاستخبارات والقمع والتعذيب وتصميم المعتقلات الرهيبة، بدل أن يحيط به المهندسون والمثقفون والاقتصاديون والحقوقيون والدمغرافيون والمخططون
اليوم بامكان المرء أن يفهم لماذا لم يتمكن المغرب من أن يحتل مراتب محترمة في السجل الدولي، إذ رغم مرور 53سنة على

__________________________________________________________________________________________

بنبركة( يمينا) رفقة علال الفاسي

الاستقلال مازال المغرب في خانة العار، بحكم أنه يحتل الرتبة 126 دوليا! والسبب يعود إلى كون القصر والأحزاب ظلا في صراع شديد على حساب تدبير شؤون الدولة ومواجهة التحديات وتلبية مطالب المواطنين.
فالحسن الثاني كان يخاف على عرشه فطوق نفسه بالخبراء في الأمن والاستخبارات والقمع والتعذيب وتصميم المعتقلات الرهيبة، بدل أن يحيط به المهندسون والمثقفون والاقتصاديون والحقوقيون والدمغرافيون والمخططون. ولما قربت ساعته والتفت ليقرأ حصيلة حكمه، لم يجد سوى ركام من المعتقلات السرية والعلنية لفظت، بعد طول اعتقال، مايربو عن 24 ألف ضحية بين ميت في الزنازن وأصحاب عاهات. أما الأحزاب المسماة «وطنية»، فبدل أن تستثمر فورة الاستقلال لبناء دولة قوية تحيي أمجاد المغرب في عهد المرابطين والموحدين، رأيناها تنصرف إلى الاغتيالات والتصفيات، إذ عوض أن تتحول الى منبت لتفريخ كوادر تسيير الشأن العام غدت مشاتل لصنع المؤامرات والدسائس. ولما كتب لها بعد تحقيق التوافق أن تمسك بمقاليد الأمور، لم تجد في سجلاتها سوى المختطفين والمنفيين والشهداء والمعتقلين والمعطوبين، ولم تتمكن من تكوين إطارات في التدبير والتسيير.
والنتيجة أن المغرب مازال يتعثر بسبب هذا الماضي الأسود، ومازالت البلاد رهينة الانطلاقة الخاطئة بين القصر والأحزاب منذ عام 1956 إلى اليوم بدليل أن مسؤولا من عيار فؤاد عالي الهمة، وهو الوزير الذي هندس ملف المصالحة والانصاف في عهد محمد السادس، لم يتمكن بعد من تجاوز مقولة أن المغرب مازل أسير المؤمرات، حينما ترأس تجمعا في تارودانت وكال كل الشرور لحزب الاستقلال محملا إياه جميع تعثرات المغرب مندالاستقلال، لدرجة أن المغرب بني على ثنائية النفور. فلمواجهة جيش التحرير خلقت القوات المسلحة الملكية، ولمواجهة «وداد الأمة» خلق الجيش الملكي، ولمواجهة الجوق الوطني خلق الجوق السمفوني، ولمواجهة حزب الاستقلال الموحد خلقت الحركة الشعبية، ولمواجهة نخب المقاومة والنخب الوطنية المتجذرة في المجتمع خلقت نخب سبق أن عملت في أسلاك الجيش الإسباني و الفرنسي ومنحت لها الأراضي الخصبة والمياة المتدفقة على حساب آلاف الفلاحين الذين انتفضوا في أولاد سعيد وأولاد عياد وأولاد خليفة في البدايات الأولى للاستقلال .بل حتى الشوارع والمدارس والمرافق لم تسلم هي الاخرى من هذه المواجهة بين القصر والأحزاب، إذ لمواجهة المد الحزبي الراغب في تحويل الملكية إلى مجرد رمز (لتدشين جوامع ) بادر القصر إلى الغلو في إطلاق أسماء الأسرة الملكية على كل شارع، وعلى كل مدرسة، وعلى كل مستشفى، وكأن هناك خوفا من أن تطمر الأحزاب الملك والملكية.وبعد أن كان الحسن الثاني يُنعت بأنه محاط برجال القمع وبأذناب فرنسا، ها نحن نعيش اليوم نفس الوضع باتهام القصر بأنه محاط فقط بـ«الدراري» مع ما ترمز إليه هذه اللفظة في ثقافتنا الشعبية من حمولة سلبية توحي بغياب بُعد النظر وغياب الحصافة والاتزان في اتخاذ القرارات والمقدرة على إدارة الملفات.
صحيح أن تاريخ الأمم لا يُنسى في رمشة عين، بدليل أن فرنسا نفسها مازالت تتغذى على الذاكرة، ذاكرة التعامل la collaboration مع الاحتلال الألماني، والشيء نفسه في إيطاليا (موسوليني) وإسبانيا (فرانكو) واليابان (هيروشيما) وجنوب إفريقيا (الأبارتايد وصحيح أيضا أن الذاكرة تستغل كرهان سياسي و اجتماعي حتى في عدة مجتمعات، خاصة حينما يكون معظم الفاعلين مازالوا أحياء، لكن من العار أن يضاف إلى سلطة الذاكرة سلطة أخرى لرهن مصالح المغرب والمغاربة لجيل آخر، ونعني بها سلطة الفقر في الخطاب السياسي. فإذا ارتضى أطراف الحقل السياسي حل مختلف النزاعات عن طريق صناديق الاقتراع بدل الصراع المسلح، مما يجعلهم مبدئيا في خانة «أنصار الدمقراطية» فإن ذلك يفترض، أولا، تأهيل المعجم ورفع مستوى النقاش لخلق وجلب احترام الشعب للأحزاب بدل استغلال المحطة الانتخابية لقلب المواجع والنبش في تاريخ لم يجلب للمغاربة سوى الأحقاد المتبادلة، وعدم قدرة المواطن على الجهر بـ «اعتزازه» بالانتماء إلى وطن تتصارع فيه الأحزاب و حاشية الملك على مجد افتراضي.
رسالة من الخطابي إلى حسن الوزاني
«يتحدثون عن المصالحة، لكن المصالحة مع من؟ إذن يجب محاسبة الأشخاص الذين أساؤوا فعلا للمغاربة في هذه الفترة، حتى لا يتكرر ما جرى بين 1956 و1960. فالأرقام التي تطرقت لها رسالة عبد الكريم الخطابي، تقول إن عدد الذين تعرضوا للاضطهاد بلغ آنذاك 9672 أطلق منهم إلى غاية 26 فبراير 1960 ما مجموعه 6520 شخصا فقط. وبلغ عدد القتلى أزيد من 600 وتم الاعتداء على 235 امرأة، ومما جاء في رسالة الخطابي التي بعث بها للأمين العام لحزب الشورى والاستقلال محمد حسن الوازاني تقول «أما المختطفات من بنات المغرب العزيز فقد بلغ عددهن 235 ما بين متزوجات وأبكار، ومن الشمال فقط اختطفوا 75 وحشروا منهن 25 في دار معروفة بحومة سانية الرمل بتطوان، حيث ظلوا يترددون عليهن صباح مساء، لهتك أعراضهن إلى أن اختفين نهائيا من الوجود، وفي عزبة معروفة على شاطئ واد ورغة حشروا 15 أنثى لنفس الغرض، والغاية هتك أعراضهن. وفي دار معروفة ومشرفة على مدينة الحسيمة بالريف الأوسط حشروا 15 امرأة لنفس الغرض وقد استطاع ثلاث منهن أن ينجين بأرواحهن ويهربن إلى مدينة سبتة، وفي أجدير بقبيلة بني ورياغل بمقاطعة الريف الوسطى حشروا 75 ضحية وقتلوهن رميا بالرصاص بعد أن عذبوهن وشوهوهن. وكانوا يدفنونهن ليلا في أماكن مختلفة
»