الرباط -10- 08-2009-

لم يأت التحضير لإبعاد جنيرالات الحسن الثاني من فراغ، بل تم التمهيد له على مر السنوات الماضية لضمان انتقال سلس للسلطة العسكرية بين الأجيال، جيل الملك الراحل وجيل الملك الحالي، ولتفادي الصدمة ورد الفعل. «الوطن الآن» تقدم مفاتيح لفهم الحاجة إلى إعفاء جنيرالات الحسن الثاني من مهامهم اليوم

___________________________________________

ما إن تولى الملك محمد السادس الحكم في صيف 1999 ورغب في قص أجنحة الوزير القوي إدريس البصري، حتى شرع في تقليص سلطاته وتقزيم حضوره في المشهد السياسي والأمني بتجريده من مديرية «الديستي» و«رئاسة الغولف» وإبعاده من مرافقته في التنقلات الداخلية، إلى أن حل موعد الإعفاء يوم 9 نونبر 1999نفس الشيء ينطبق على الجنيرال حسني بنسليمان، الخالد في منصبه منذ عام 1972، حيث لم تقرأ إزاحته من رئاسة جامعة كرة القدم كمبادرة فردية لمسؤول شاخ في المنصب بقدر ما فهمت بأنها بداية التحضير لإزاحة جنيرالات الحسن الثاني من هرم المؤسسة العسكرية، وهي الإزاحة التي كان المراقبون يرونها صعبة في البداية لتجذر الجنيرالات من جهة، ولكي لا تخلق ردة فعل لدى المؤسسة العسكرية، خاصة وأن رؤوس عدد من هؤلاء الجنيرالات كانت مطلوبة من طرف الأوساط الحقوقية والقضائية بدعوى أنهم متهمون بارتكاب جرائم في حق مسؤولين سياسيين مدنيين زمن سنوات الرصاص (انظر مثلا الحوار مع الأستاذ الغماري في ص 10 و11). إلا أن هناك معطى آخر يستحضره المتتبعون لتفسير تأخر إبعاد جنيرالات الحسن الثاني من المسؤولية رغم تقدمهم في السن، ويتجلى في كون المؤسسة العسكرية تعد دولة داخل دولة، وبالتالي -حسب هؤلاء- يصعب تعميم العرف الذي أسسه محمد السادس القاضي بتشبيب الهرم وعدم ترك المسؤول في منصبه لأكثر من أربعة أعوام، بدليل أن هذه «الدولة» (أي الجيش) تلتهم خمس ميزانية البلاد (تحديدا 19 في المائة) بحيث تبلغ حصة الجيش في القانون المالي 3300 مليار سنتيم سنويا (من أصل 166.531.682.000 درهم) وداخل حصة الجيش يحتكر الدرك الملكي لوحده 20 في المائة أي 666 مليار سنتيم (ما يلتهمه الدرك لوحده يعادل ما يخصصه المغرب سنويا للصحة كنفقات للمعدات وما يعادل 123 مرة ما يرصده للثقافة!)
إلا أن انغلاق المؤسسة العسكرية وانفلاتها من مراقبة البرلمان والجامعة والصحافة والجمعيات لا يعني أنها ظلت جامدة طوال عشرة أعوام في انتظار لحظة اتخاذ قرار إبعاد جنيرالات الحسن الثاني من هرم المسؤولية. فعلى امتداد العشرية الأولى من حكم محمد السادس يلاحظ المرء ترتيبا مفكرا فيه للتحضير لهذا القرار يتجلى في عدة مؤشرات يمكن إجمال أهمها في
أولا: خلخلة جهاز المخابرات العسكرية ثلاث مرات بإعفاء الجنيرال القادري ثم بإعفاء الجنيرال الحرشي ليتوج المسار بإدخال مدني (لأول مرة في تاريخ المغرب المستقل) إلى أهم جهاز عسكري، في شخص ياسين المنصوري صديق الملك في الدراسة ومنحه صلاحيات تمثيل المغرب رسميا في اجتماعات ديبلوماسية حاسمة. (مثلا ملف مفاوضات الحكم الذاتي، موريتانيا، الشرق الأوسط...)
ثانيا: سحب الثروة العقارية العسكرية من الجنيرالات (أزيد من 5000 هكتار مملوكة للجيش) ومنحها لمدني آخر في شخص المهندس أحمد طاهور الذي عينه الملك على رأس وكالة المساكن والتجهيزات العسكريةثالثا: إحداث رجة كبرى في الأمن العسكري بإعفاء الرجل القوي الجنيرال بلبشير من مهامه كمدير للأمن العسكري والاتيان بأحد الأوفياء لمحمد السادس في شخص محمد معايش الذي صقله الميدان والاحتكاك بحياة الثكناترابعا: إدخال لمسة على المكتب الثاني للجيش بتعيين حربوش خلفا لزميله الجنيرال بنعليخامسا: إزاحة الأميرال التريكي وتعويضه بالكولونيل ماجور محمد برادة (رقي مؤخرا إلى رتبة جنيرال دوبريكاد). ولو أن هذا الأخير أصبح محور تعاليق صحفية بشأن احتمال تعويضه
سادسا: نفض الغبار عن مؤسسة الحسن الثاني وإعادة هيكلتها وتعيين الكولونيل ماجور للامريم على رأسها لرد الاعتبار للأرامل والأيتام والشهداء وتخصيص راتب قار لهم (ما بين 1500 و2200 درهم شهريا حسب رتبة الجندي وضابط الصف)
سابعا: إحداث ثورة في المسار المهني لأزيد من 200 ألف جندي وضابط صف الذين كانوا محرومين من قانون مهني على غرار الضباط يحدد مسارهم وآفاقهم المهنية مستقبلا بالإعلان عن أن القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية وافق على ذلك عام 2007ثامنا: تدخل شخصي للملك بوصفه الرئيس المباشر لكل الجنود والضباط بتسوية معاشات العسكريين الصغار والرفع من مساهمة الدولة في الصناديق الاجتماعية من 14 إلى 20 في المائة وإعفاء الجنود من أداء الزيادة في الاقتطاعات التي تتحملها الخزينة العامة مع تمديد السن القانوني للتقاعد العسكري من اثنين إلى خمسة أعوام حسب رتبة الجندي مما سيكلف الدولة 100 مليار سنتيم سنوياتاسعا: إنشاء شركة «باتريلوج» من طرف الملك وتكليفها ببناء 80 ألف مسكن لفائدة العسكريين في عدة مدن، وهو المشروع الذي تجسد في أوراش انطلقت في النواصر وعين حرودة وويسلان (ضواحي مكناس) والناضور ومراكش مع منح الجنود إعفاء قدره 50 في المائةعاشرا: إصلاح العتاد العسكري وتجديده وإعادة النظر في التكوين وفتح كلية جديدة للتكوين العسكري لكبار الضباط بالقنيطرةإحدى عشر: مسح ميداني للثكنات ووضع 40 منها محل كشافات ضوء الإصلاح بالموازاة مع بناء ثكنات جديدة (خاصة على الحدود مع الجزائر من قبيل امحاميد الغزلان، تاكونيت، ضواحي الراشيدية إلخ...)اثنى عشر: رد الاعتبار للطفل اليتيم للجيش، ونقصد بذلك القوات البحرية التي كانت «محكَورة» في عهد الحسن الثاني الذي كان يدير ظهره للبحر. إذ قام المغرب بشراء فرقاطتين جديدتين قاربت قيمتهما 600 مليار، وبناء أول قاعدة عسكرية بحرية بشمال المغرب في القصر الصغير، وهو القرار الذي اعتبر كأحد أهم المبادرات المهيكلة للتراب الوطني، بالإضافة طبعا إلى المهام التي ستسند للقاعدة البحرية من مراقبة الهجرة السرية وتهريب المخدرات وتكوين رجال البحرية