خدام القصر الملكي




ظلت القصور الملكية في المخيلة الشعبية موصومة بالبدخ، يتصورها أغلب المغاربة فضاءات عامرة بالعبيد والجواري على امتداد أكثر من أربعة عقود.
ولازال خدم وعبيد دار المخزن محاطين بالكثير من الأسرار إلى حد الآن فالبلاط بالمغرب ظل يحجب أسراره وراء طقوس تقليدية عتيقة نسجت حولها أساطير وحكايات همت قاطني دار المخزن والعاملين بها، وساهمت كثيرا في إسباغ قدر كبير من الإبهار والهيبة على القصور والعاملين بها. ولازالت الأسطورة والإشاعة والخيال يطبعون أحاديث عموم الناس حول خدم وعبيد دار المخزن.
ففي عهد الملك الراحل الحسن الثاني كان المرء يحتار أحيانا، تارة يعاين ملكا متفتحا متشبعا بالثقافة الغربية في آخر صيحاتها وبالحداثة ، وتارة أخرى يعاين ملكا متشبثا بأعرق التقاليد وعاملا على إعادة إحياء، بقوة وحماس كبير، تقاليد عتيقة اندثرت أو كادت، أو مرسخا لاعتقادات قد تبدو أنها تتنافى مع العقل والنهج "الديكارتي" الذي كان يطبع تفكيره ومنهجه بامتياز؛ وهي ذات التقاليد التي احتفظ بها الملك محمد السادس بعد اعتلائه عرش البلاد


وعموما إن غنى المغرب يبدو بجلاء في حياة القصور التي تكلف ميزانية الدولة ما يناهز 2500 مليون درهم سنويا، يعمل فيها مئات من الخدم والعبيد، فكيف يعيش هؤلاء بداخلها؟ وما هي مهامهم وعلاقتهم بالمجتمع المغربي؟ هذه عينة من الأسئلة التي نحاول تجميع عناصر الأجوبة عليها بمغامرتنا في مجال دروبه بمثابة رمال متحركة تبلغ كل من يحاول الاقتراب منها

فرق عبيد دار المخزن

من المعلوم أن كثرة الخدم والعبيد بالقصر الملكي ارتبطت بكثرة المهام التي يضطلعون بها بفضاءات دار المخزن على امتداد السنة. كما أن كثرتهم فرضها العدد الهائل لقاطني القصر وخصوصا الحريم، وظل الحال على ما هو عليه رغم أن الملك محمد السادس بعد توليه الحكم ألغى عادة الحريم وطقوسه وسرّح العشرات من نساء القصر وخيرهن بين البقاء في كنف دار المخزن أو مغادرتها، في حين كان والده الملك الراحل الحسن الثاني يعمل على إعادة إحياء عدة تقاليد وأعراف عتيقة على امتداد فترة حكمه

وتعود الخلفية التاريخية لخدم وعبيد دار المخزن إلى قرون، ففي السابق كان يوجد بقصور السلاطين ما يسمى بعبيد المخزن إبان الدولة الموحدية، وضمنهم كانت فرقة تدعى "جفارة" وهم عبيد سود يمشون في المواكب السلطانية حاملين الرماح والسيوف ويحملون العلم الأبيض (العلم المنصور)؛ وفي عهد الفاطميين كان هناك "عبيد الشراء"، وهم طائفة من الجند ممن جلبوا عن طريق الشراء من أرض السودان وكان ضمنهم "علم دار" وهو المكلف بحمل العلم في ركاب السلطان وكذلك "أبدار" وهو المكلف بإعداد الشراب وكان يناول السلطان الماء للشرب والاغتسال، و"أفراك" وهو المكلف بالقيام على أمور السياج الفاصل بين فسطاط السلطان وحاشيته عن بقية الجيش والمرافقين في المعسكرات؛ والفسطاط كلمة عربية تعني الخيمة، وبذلك يكون "أفراك" هو الخادم القائم على فرقة العبيد المكلفة بنصب الخيام السلطانية وأسيجة فصلها عن باقي الخيام في المعسكرات. وبعض هذه التسميات لازالت قائمة ومستعملة إلى حد الآن في نعث بعض فرق الخدم والعبيد بالقصر الملكي بالمغرب
ينتظم الخدم والعبيد في القصر الملكي حسب تراتبية خاصة ضمن فرق، وعلى رأس كل فرقة منها قائم على أمورها، وبعض القائمين عليها رقاهم الملك الراحل الحسن الثاني إلى درجة قائد (قائد "البراد" أو "قائد الأتاي" وقائد البلغة والجلباب)، وتسمى فرق الخدم والعبيد في عرف دار المخزن بـ "حناطي المخازنية"، ومن أهم هذه الفرق

- المشاورية: وهم عبيد المشور الذين يستوجب حضورهم في كل مناسبة بالقصر، وهم المكلفون بترديد العبارة المشهورة "الله يبارك في عمر سيدي" وكذلك بكل العبارات الأخرى الخاصة بكل مناسبة وبكل وضعية من الأوضاع

- المزارك: وهم أصحاب الرماح الذين ينتظمون في صف أمام الملك عندما يكون ممتطيا جواده الأصيل أو على متن العربية الذهبية أو السيارة المكشوفة أحيانا، وهم المعروفون بلباس الفوقية البيضاء تحتها قفطان أصفر أو وردي أو أزرق والبلغة البزيوية.
- أصحاب الفراش وفرق أفراك (الفسطاط)، وعادة ما يحملون، في الموكب الملكي التقليدي بالمشور، تحت إبطهم "لبدات" خضراء.
حامل المظلة السلطانية الضخمة


- الفرقة الموسيقية وهي المعروفة بفرقة 55 لأنها تضم موسيقيين مهرة يتقنون عزف وأداء 11 نوبة للطرب الأندلسي بموازينها الخمسة الخاصة بكل نوبة 5*11
عبيدات العافية: وهي فرقة العبيد المكلفة بتطبيق العقوبات الصادرة في حق أهل دار المخزن (جلد وحبس وهناك إماء بدار المخزن مكلفات بالزينة واللباس التقليدي الأصيل يقمن بالإشراف على تزين الحريم ومؤانستهن. كما يكثر نشاطهن خلال المناسبات وغيرها، بل منهن من يقتصر دورهن على إطلاق الزغاريد، وفي السابق كن بكثرة من الزغاريد سواء بمناسبة دخول الحمام والخروج منه أو عند استيقاظ الوصيفات

وقد حرص الملك الراحل الحسن الثاني أن لا تخرج نزاعات ومشاكل قاطني دار المخزن عن أسوار البلاط، وذلك حفاظا على هيبته ومرتبته في عيون المغاربة، فلم يكن الملك الراحل يسمح لأهل دار المخزن (بما فيهم سكان تواركة) اللجوء إلى القضاء.
فكل الخصومات والنزاعات والخروقات القانونية كانت تحل تحت إمرته من خارج المنظومة القضائية داخل القصر، وغالبا ما كان يبث فيها بنفسه. لذلك كانت دار المخزن تتوفر على منظومة جزائية وعقابية خاصة، بما في ذلك سجن خاص (البنيقة) لإيداع الخارجين عن قواعد سلوك ونظام دار المخزن وذلك لمدة محددة. وعبيدات العافية هي الفرقة المكلفة بإنزال العقاب على المذنبين (الجلد أو الحبس بالبنيقة). وورد في عدة كتابات أن الخدم والجاريات، بل وحتى بعض نساء الحريم قد تعرضن إلى عقوبات تأديبية تكلفت فرقة عبيدات العافية بتطبيقها والقيام عليها، وقد علق أحد المحللين على هذه الفرقة بنعتها بـ "جلادي البلاط".
والقاعدة السائدة بين خدم وعبيد دار المخزن هي التوقير والتبجيل، وينادون أسيادهم بسيدي ومولاي ولالة والشريف والشريفة، أما فيما بينهم، فينادون من هم أكثر رتبة في هرم تراتبية الخدم والعبيد بلقب "عزيزي".
ومن المعروف على المغاربة أنهم شديدي الولع بتشريف الأسماء ذات الدلالات الدينية، وقد وصل بهم الأمر إلى تثبيتها في بطاقات التعريف والوثائق الرسمية بعبارات سيدي ومولاي ولالة. ففي المرجعية المجتمعية الشعبية المغربية كل من ينتمي إلى الأسرة العلوية فهو شريف، وكل من ينتمي إلى أسرة علمية عريقة أو إلى زاوية صوفية فهو في المجتمع شريف.
وفي المغرب خصصت الدولة، الشرفاء العلويين ببطاقة خاصة تميزا لهم وتوقيرا، وهي بطاقة بيضاء يخترقها خطان (أخضر وأحمر) تحمل صورة واسم صاحبها، وتعتبر بمثابة شهادة اعتراف من الدولة بالوجاهة الروحية لحاملها، وغالبا ما يستعملها البعض على أنها بطاقة بيضاء (carte blanche)، أي عبورا وتحقيقا لجملة من المصالح والامتيازات في الكثير من الحالات.

خدام الحريم

في الوقت الذي كان هناك جناح خاص بالحريم، كان فضاءا لا يلجه إلا الملك والخدم والعبيد الذين يتم وقف حياتهم على خدمته وذلك حتى لا يذاع ما بداخله من أسرار. لذا كانت فرقة من الخدم والعبيد خاصة بالحريم.
وساد الاعتقاد أن الخدم العاملين بجناح الحريم والوصيفات من العبيد المخصيين. وخدمة هذا الجناح ظلت مهمة تتوارث أبا عن جد بين فئة خاصة من عبيد القصر الملكي، وهي الفئة الوحيدة من الخدم والعبيد الذين كان مسموحا لهم، دون غيرهم، ولوج فضاء الحريم والوصيفات، وكانت هذه الفرقة تقوم بمختلف الأشغال والأعمال، ومن ضمنها - كما يشاع- المساعدة في تحضير لوازم الاستحمام والمساعدة على الاغتسال في قاع الحمام البلدي.
وقد تداخلت الشائعات بالواقع باعتبار أنه ظل سائدا أن حياة القصور الملكية في عهد الحسن الثاني كانت شبيهة جدا بظروف السلاطين القدامى وقريبة من الحكايات والقصص الهارونية. وهذا خلافا لما سار عليه الملك محمد السادس الذي لا يحب العيش داخل القصور ولا يستحسن طقوسها وقواعدها، بل يفضل العيش بطريقة عصرية حداثية في إقامة ملكية توفر جوا عائليا حميميا، خارج الأسوار العتيقة للقصور، بعيدا عن ضجيج وصخب الخدم والحشم الذين تعج بهم فضاءات القصور الملكية.
ويبدو أن الملك محمد السادس اعتمد أسلوب الشفافية، فيما يخص حياته الخاصة، خلافا لما كان عليه الحال في عهد والده الراحل الملك الحسن الثاني. وهذه إشارة قوية لم يتمكن الفاعلون السياسيون بعد من التقاط جميع دلالاتها وأبعادها ومنذ اعتلاء الملك محمد السادس عرش البلاد فقد ألغى طقوس الحريم وسرح كل النساء الراغبات في المغادرة

فرقة خاصة جدا

من فرق خدم وعبيد دار المخزن الخاصة جدا، فرقة حراس الفضاءات الحميمية للقصر الملكي. ويبدو أنها فرقة أمنية من نوع خاص يشكل أفرادها جماعة منغلقة على نفسها، ويقال أن أصلها أوروبي وليس إفريقيا كما هو الحال بالنسبة لساكنة تواركة؛ بشرتهم بيضاء وأحيانا عيونهم زرقاء ويرتدون لباسا مغايرا لجميع ألبسة العاملين بدار المخزن سواء منهم الخدم أو العبيد أو الحرس الملكي.
ومن نماذج هذه الفرقة الحراس الحاملون لحربة خاصة والمتواجدون في الأركان الأربعة لضريح محمد الخامس بحسان بالرباط، يحرسون الضريح من الداخل ويرتادون لباسا مميزا غير شائع بالمغرب. وحسب بعض المؤرخين، فإن أحد السلاطين العلويين قد جلب عبيدا ذوو بشرة بيضاء من إحدى أراضي أوروبا الشرقية للقيام بحراسة العائلة السلطانية عن قرب في وقت عرفت فيه البلاد بعض القلائل، وقد ظلوا مرتبطين بالبلاط دون اختلاط بالمغاربة أو عبيد البخاري.

خدام "أتاي" بالقصر

للشاي الأخضر المنعنع مكانة خاصة في حياة المغاربة مهما كان الموقع الذي يحتلونه في المجتمع، وكذلك الأمر داخل العائلة الملكية.
وقد اهتم الملك الراحل الحسن الثاني بشأن الشاي الأخضر المنعنع لدرجة أنه رقى القائم على شؤونه بالقصر الملكي إلى درجة قائد (قائد البراد أو قائد الأتاي).
ويعد "الأتاي" بالقصر الملكي على الطريقة التقليدية مع احترام كل القواعد والعادات المرتبطة بطقوس تهييئه كاستعمال الصينية بكل لوازمها من "بابور" و"براد" و"الربايع" الثلاثة (الخاصة بقطع سكر القالب وحبوب الشاي الأخضر وأوراق النعناع الطرية) وكأس "التشليلة" الأولى ومراحل إعداده انطلاقا من غليان الماء وانتظار خروج "السبولة" (البخار) من البابور كعلامة على الوصول إلى درجة الغليان المطلوبة، ثم "التشليلة" الأولى لحبوب الشاي فـ "تشحيرة" البراد، وطريقة سكب أول كأس قصد التذوق وحدود ملئه لإبراز "الرزة" (الكشكوشة)؛ تلك هي المهام التي يحرص عليها قائد البراد بالقصر الملكي، إضافة لتنظيم مهام العبيد المشاركين في إعداد الشاي.
وقد دون الشعراء المغاربة كل هذه الطقوس في قصائد وأزجال خصصوها للشاي. ومن أشهر القصائد الشعرية في هذا المجال أرجوزة بعنوان "الرائحة العذبة المستملحة الفائقة" للشاعر الفاسي عبد السلام الأزموري، والتي تحكي طرق إعداد الشاي ولوازمه وطقوسه، وقال الشاعر المكي البطاوري في الشاي الأخضر المنعنع

أشــــــرب الـــــشـــــاي ^ يــتـطــايـر الــهـم والــســقــم

وقال فيه الشاعر سليمان الحوات

كونوا عليه مدمـنين لأنه ^ شفاء النفوس إن عراها سقام

وقال في القائم على إعداده

فهو الذي يقيمه ويحـسنه ^وكـلـنـا مـن يـده نـسـتـحـسنه

عموما يضطلع قائد "البراد" أو قائد "الأتاي" بشؤون إعداد الشاي الأخضر المنعنع، كما يسهر على فرقة من الخدم والعبيد يعينونه على

بمهمته ويقوم على اختيار لباسهم ومراقبتهم عن قرب وإعداد برنامج كل جلسة أو مناسبة كما يعد قائد الطائرة رحلته

تواركة

تواركة فضاء سكني كائن بالمشور (القصر الملكي بالرباط)، إنها مدينة مستقلة تضم كل المرافق والتجهيزات. فالمشور يضم مجالا يحتضن مساحة كبيرة مخصصة لبنايات سكنية وبعض المرافق والقصر الملكي، والكل محاط بسور وأبواب رئيسية وفرعية على شاكلة المدن العتيقة المغربية.
وساكنة المشور عموما تتمثل في أفراد العائلة الملكية إلى جانب سكان تواركة بجماعتهم وتنظيمهم الإداري المستقل، وكذلك بعض الموظفين والمستخدمين العاملين بالقصر الملكي أو بإحدى مرافقه.
ويضم المشور مرافق إدارية، منها الديوان الملكي بمختلف أقسامه ومصالحه، ومديرية التشريفات والأوسمة وإدارة الدفاع ومقر الوزارة الأولى والخزانة الملكية ومختلف الأجهزة الأمنية التابعة للقصر والأركان العامة للجيش الملكي؛ هذا إضافة للمعهد المولوي ومرافق اجتماعية أخرى، صحية ورياضية وترفيهية كمربض لركوب الخيل ومسبحين وملعب كولف وملاعب للتنس، ومساحة سكنية ومحلات تجارية وغيرها لساكنة تواركة.
وفضاء تواركة (المشور) لا يتميز فقط باستقلاله الإداري ونوعية الشريحة الاجتماعية القاطنة به، وإنما يتميز كذلك ببنية علائقية انتشرت وتفرعت عبر عدة قنوات. واستمرار هذا الطابع المميز لفضاء تواركة وساكنتها استوجب ضمان إعادة إدماج ساكنتها بعيدا عن النسيج المجتمعي.
وفي هذا الصدد يقول الطوزي إن "الملك (السلطان) أب لعائلة كبيرة يمتد عمليا ليشمل كل سكان المشور ومختلف القصور الملكية وعبيد قدامى وخدم و"مخازنية" وحرس ملكي... أي أنه رب عائلة فعلي لكل أولئك الذين يعيشون في الفضاءات التي يتحرك فيها الملك".
وبالضبط، هذا الفضاء هو ما يصطلح عليه بدار المخزن التي تمثل النواة الصلبة للنظام السياسي المغربي، لأنها هي التي تفرز قيم ونهج الحكم وثقافته ورجالاته ومراسيمه وطقوسه؛ ففي هذا الفضاء (دار المخزن) عاش وتربى الملوك والأمراء وفق التقاليد المخزنية العرفية. وفي دار المخزن تزكى النخب السياسية ويستقبل المسؤولين، وبها يؤدى قسم الإخلاص. وهو الفضاء الذي يحضن كذلك مراسيم البيعة؛ وبدار المخزن تهيأ أهم القرارات المصيرية، السياسية منها والاقتصادية، إن على الصعيد الداخلي أو الخارجي، وتظل قاعة العرش أهم ركن في دار المخزن، والتي منها غالبا ما تنقل الخطب الملكية الرسمية.
ويرجع فضل زيادة تعمير تواركة بعبيد البخاري إلى السلطان محمد بن عبد الرحمان، إضافة لإقامة دار المخزن والمشور (القصر الملكي) بالرباط. أما أصل ساكنة تواركة فيعود إلى عبيد البخاري الذين شكلوا أصلا العنصر الأساسي للجيش الملكي، لاسيما العناصر المكلفة بحراسة وحماية السلطان والقصور السلطانية.
وظل خدم وعبيد القصر يقطنون بتواركة، إذ كان لا يسمح لهم بالسكن خارج دار المخزن، لكن مع مرور السنين عندما كثر عددهم وضاق بهم فضاء تواركة، خصص لهم الملك الراحل الحسن الثاني أحياء خاصة بهم في مدينة سلا.
وبالأمس القريب كان ممنوعا على الغرباء ولوج الحي السكني لتواركة الذي يتوفر على مدخل فرعي كائن بالقرب من حمام تواركة قبالة الباب الخلفي لجامع السنة، في هذا المدخل يقف على الدوام، ليل نهار، أحد عناصر الشرطة ولا يسمح بالدخول إلا لقاطني الحي أو لمن لهم أقارب هناك.
كما أنه إلى حدود الثمانينيات كان التواركة ناذرا ما يتزوجون بغير التوركيين، إلا أن الأمر تغير وأضحى الكثير منهم (رجالا وإناثا) يتزوجون خارج تواركة، خصوصا وأنه لم يعد الأبناء يتوارثون الخدمة بالقصر أبا عن جد.
فجيل الستينيات والسبعينيات وما بعدهما تابعوا دراستهم وولجوا وظائف في مختلف الإدارات وفي القطاع الخاص، لاسيما وأن الخدمة بدار المخزن لم تعد مقصورة على أهل تواركة كما كان الحال عليه في السابق، وإنما فتحت أبواب الخدمة بها لغير التواركيين.
وبخصوص الحياة العملية لأهل التواركة العاملين بدار المخزن، فهي تخضع لتوقيت مضبوط كما هو الشأن بمختلف الوظائف، إذ أنها تخضع لتوزيع زمني محكم ما عدا في بعض المناسبات وفترات معينة حيث يستوجب حضور الجميع (مراسيم البيعة مثلا).
خصوصية وضعية العاملين بدار المخزن
ظل العاملون بدار المخزن، سواء منهم الخدم والعبيد أو المستخدمين، يحظون بوضعية خاصة ويخضعون لإجراءات تميزهم عن باقي العاملين في أسلاك الدولة وعن المواطنين العاديين.
إنهم يحملون بطاقة تعريف وطنية تقر بإقامتهم بالمشور مع رقم خاص يثبت تحت خانة العنوان والذي يفيد بهذه الخصوصية. وباعتبار أن ساكنة تواركة لا يخضعون، في حالة ضبطهم خارج القانون، إلا لمساءلة واستنطاق شرطة المشور.
ومن المعروف أنه في حالة اعتقال أحدهم بمكان ما، يكون لزاما على الجهة التي قامت بالاعتقال إخبار أمن المشور ورجال سلطته بالأمر، أي النازلة وبفحواها أولا ثم إتباع المسطرة الخاصة ثانيا.
كما أن العاملين بدار المخزن يخضعون من حين لآخر لعملية تفتيش مباغتة بمحل سكناهم بدون سابق إنذار ودون حدوث ما يدعو إلى ذلك، سواء كانوا يقطنون بالمشور (تواركة) أو خارجه.
ويقوم بهذا التفتيش عناصر من أمن المشور أو من الحرس الملكي حسب الحالات وحسب موقع ورتبة الشخص موضوع التفتيش. وحسب أحد المصادر، تم اعتماد هذه الطريقة تلافيا لوقوع أي مشكل من شأنه توريط العاملين بدار المخزن في كل ما شأنه النيل من سمعتهم، كما أن هذا الإجراء يعتبر سبيلا من سبل المراقبة اعتبارا لطبيعة العمل الذي يقومون به وحساسيته.
تلك بعض الترتيبات والقواعد التي يخدع إليها العاملون بدار المخزن، وهناك ترتيبات وإجراءات أخرى يتم القيام بها في حالة السفر مثلا، لاسيما خارج المغرب

زواج العبيد

إن زواج العبيد وخدم القصر الملكي يخضع لقواعد وترتيبات خاصة، إذ أنهم لا يمتلكون الحرية في الزواج بمن يريدون ومتى يريدون حتى وإن كانت الزيجات بين عائلات سكان تواركة. فلا يتم الزواج إلا بعد موافقة الملك وإن كان ذلك رمزيا، وبعد القيام ببحث إن كان أحد الطرفين يقطن خارج المشور، ويهم هذا البحث الاسم والنسب والسيرة والأوضاع المعيشية.
وعموما ظل الملك يشرف مباشرة على كل ما يرتبط بزواج أهل القصر والمشور وسكان تواركة من خدم وعبيد وحتى مستخدمين. وكان معروفا أن الملك الراحل الحسن الثاني يحرص على الاطلاع على كل شاذة وفادة بخصوص أهل القصر والمشور.
وظلت عقود القران الخاصة بالخدم والعبيد تعقد في القصر الملكي بعد صدور موافقة الملك، ولم تكن لتتم لولا هذه الموافقة. وهناك حالات في عهد الملك الحسن الثاني، خاصة ببعض أفراد العائلة الملكية وبعض العبيد ظلت عالقة لأن الملك لم يصدر موافقة بخصوصها ولم يتم تذكيره بها للحسم فيها في أوانها.
وكذلك الشأن بالنسبة للطلاق، يتم بدار المخزن بعد إخبار الملك وموافقته على ذلك، إذ كان من المعروف في عهد الملك الحسن الثاني عدم اللجوء إلى المحكمة في أي حال من الأحوال. فكل النزاعات، حتى بعض الجرائم منها، كانت تحسم بدار المخزن دون عرضها على أنظار العدالة، وناذرا جدا ما تم عرض نازلة كان أحد سكان تواركة طرفا فيها على أنظار العدالة في العهد الحسني. لكن الأمر تغير حاليا بعد أن اختار الملك محمد السادس نهجا ونمطا مغايرا للحياة عن نهج ونمط والده

من الطقوس المخزنية العتيقة

من طقوس دار المخزن طريقة تقبيل يد الملك من طرف العبيد والخدم بالقصر الملكي واحترام التراتبية بين الخدم والعبيد وخفض النظر أو الاستدارة إلى الحائط كلما مرت إحدى نساء القصر بجانب أحد الخدم أو العبيد.
وبخصوص تقبيل يد الملك، قبل أن يمسك خدم أو عبيد القصر يده لتقبيلها يلفون أيديهم في أطراف "سلهامهم الأبيض" حتى لا تلمس مباشرة يد الملك، وهذا تقليد ظل ساريا بدار المخزن على امتداد قرون، وفلسفته أن صورة الملك وشخصه مرتبطان بالهيبة والخنوع ولا ينبغي أن تتزعزع هذه الصورة في ذهنهم أبا عن جد.
إنها من طقوس تمجيد القوة وتقديس الطاعة وتحمل علامات وإشارات لها دلالاتها السلطوية، علما أنه في السابق لم يكن خدم وعبيد البلاط يكتفون بتقبيل يد السلطان وإنما يسجدون له ويقبلون نعله، لكن هذه العادة اختفت تماما مع الأسرة العلوية التي حكمت المغرب منذ أزيد من ثلاثة قرون خلت

قدسية الملك الحسن الثاني

إن الطقوس المتبعة بالقصر الملكي بخصوص نمط الحياة الخاصة بالخدم والعبيد هي في الأساس مرتكزة على فكرة قدسية شخصية الملك
وقد تناول المؤرخ والروائي عبد الله العروي في كتابه "المغرب والحسن الثاني.. شهادة" صفحة من صفحات تاريخ المغربي الحديث، إذ أكد أن الملك الراحل الحسن الثاني ذهب إلى حد الإعلان عن قدسيته في أول دستور للمملكة سنة 1962، وهو الطرح الذي لا يستسيغه ولم يجد له مبررا إلا عند الشيعة وفي إطار معتقداتها المذهبية. وفي نفس هذا الدستور جعل الملك الإسلام دين الدولة، كما جعل من الملك أمير المؤمنين نزولا عند رغبة بعض الزعماء السياسيين من بينهم آنذاك الدكتور الخطيب. وأضاف عبد الله العروي أن الملك الحسن الثاني لم يكن ينكر، بأي حال من الأحوال، استفراده بالحكم الذي لم يكن مستعدا طوال حياته لتقاسمه مع أي حزب سياسي كان، حتى تلك الأحزاب السياسية التي قيل أنها من صنع القصر أو المخزن.
واعتبر عبد الله العروي أن مختلف الخطوات المحققة في مجال حقوق الإنسان في العهد الحسني جاءت بالأساس للاستجابة لملاحظات واشنطن بهذا الخصوص وللحملة الأوروبية ضد المغرب.
وللإشارة فقد سبق للأمير هشام أن طالب علنيا بفصل الملكية، عن القدسية وإرسائها على أسس ديمقراطية، باعتبار أن الديمقراطية والقدسية لا تجتمعان.
إلا أن بروتوكول دار المخزن والضوابط التي تحكم حياة الخدم والعبيد ظلت مرتبطة في جوهرها بثقافة تعتمد على شرعية تقليدية تمزج بين الدين والتاريخ، وتجعل الملك كائنا مقدسا في نظر خدم وعبيد البلاط، وعلى هذا النظرة تتأسس كل حركاتهم وسكناتهم وحياتهم اليوم وحياة ذويهم بدار المخزن لأنهم لا يفهمون كيف للملك أن يكون ملكا دون أن يكون مقدسا

طقوس صلاة الجمعة بالأمس القريب

قبل أن يعتلي الملك الراحل الحسن الثاني عرش البلاد في فجر ستينيات القرن الماضي دأب المغاربة، لاسيما سكان العدوتين (الرباط وسلا)، معاينة مراسيم صلاة الجمعة بانتظام بمشور القصر الملكي بالرباط؛ إذ كان الملك الراحل محمد الخامس يخرج كل يوم جمعة من القصر للتوجه إلى مسجد أهل فاس لأداء الصلاة الجماعية كل أسبوع، ما عدا فترة غيابه عن العاصمة. إلا أن هذه العادة قد اندثرت دفعة واحدة في العهد الحسني، ربما لاعتبارات أمنية محضة نظرا لأن الأوضاع بالمغرب عرفت آنذاك احتقانا لم يسبق أن عاينه عهد والده، علما أنه كان آنذاك قد تم الإعلان عن حالة الاستثناء.
قبل ذلك كان سكان الرباط وسلا وضواحيهما يحجون منذ الصباح الباكر ويحتلون ساحة المشور قصد التمكن من الاستقرار في مكان مناسب لمعاينة الاستعداد لخروج الموكب الملكي ولرؤية الملك متوجها إلى المسجد ثم عودته منه. كانوا يتابعون حركات فرق الخدم والعبيد وهي تقوم بالمهام الموكولة لها ذلك اليوم تحت أنظار جماهير غفيرة، رجالا ونساء، أطفالا وشيوخا، أتوا ليتملوا بطلعة الملك في خروجه قصد أداء صلاة الجمعة ممتطيا جواده أو على متن العربة الملكية الذهبية.
كان الموكب الملكي يخرج من باب القصر محاطا بمختلف فرق الخدم والعبيد يتوسطهم حامل المظلة الملكية ذات الحجم الكبير واللونين الأخضر والأحمر؛ مئات الخدم والعبيد وفرسان الحرس الملكي بلباسهم الأحمر أو الأبيض، سيلان من السود بلباسهم الأبيض وشاشياتهم الحمراء فاقع لونها يتقدمهم أصحاب الفقيات البيضاء، تحتها قفطان باللون الأصفر البزيوي أو الوردي أو الأزرق حسب مهامهم ودرجتهم التراتبية في صفوف الخدم والعبيد، ويتقدم الموكب حاملي الرماح ثم الحاجب الملكي بسيفه وعصاه الطويلة ولا زالت نفس الطقوس سارية في عهد محمد السادس.
وللإشارة فإن جامع أهل فاس (مسجد المشور) الذي كان يصلي فيه الملك صلاة الجمعة هو من مآثر السلطان محمد بن عبد الله وجدده السلطان محمد بن عبد الله ثم السلطان محمد بن عبد الرحمان وموه سقوفه بالذهب والبرقشة وتوالت عليه تعديلات في عهد الملك محمد الخامس