الرباط -10- 08-2009-

قال المفكر المغربي المعروف "عبد الله العروي" في حوار صحافي سنة 2005: "ليس مهما أن نتساءل عما فعله الحسن الثاني، بل عما قمنا به لنمنعه من ذلك".العبارة تنطوي على أسف بالغ، لكنها جاءت مُتأخرة عن موعدها، باعتبار أن الحسن الثاني كان حينها قد شبع موتا، بعدما رحل يوم 23 يوليوز سنة 1999. وبالتالي تظل كل كلمات "الإدانة" بلا جدوى، إن لم نقل إنها مجرد استمناءات لفظية. ومع ذلك فإن السجل "الحافل" للحسن الثاني، خلال زواجه الطويل بحسناء لعوب، اسمها السلطة المطلقة، سيظل دائما مفتوحا، لقراءة ما تيسر من أسرار "الغرام" بين "العروسين

________________________________________

وليس من قبيل المُبالغة القول، إن الحسن الثاني، طبع المغرب والمغاربة، بما يستحيل تجاوزه، ذلك أن أزيد من نسبة 95 بالمائة من المغاربة، لم يعرفوا ملكا غيره، على مدى سنوات هامة من حياتهم، سيما حين انتقالهم من مرحلة عمرية إلى أخرى، وبالتالي لم يفتهم تلقي "طابع" حكم الحسن الثاني، في أماكن غائرة من ذواتهم، ومن ثم وجاهة الرأي القائل إن أهم عائق، أمام أي تقدم للبلاد، في كل المجالات، يرتبط بمسألة التصور "الغائر" لدى الأغلبية الساحقة  من المغاربة، بمختلف مُستوياتهم، عن السلطة التنفيذية للملك، وكان ذلك أحد "منجزات" الحسن الثاني، في خضم حربه الضروس، لجعل الملك والملكية في المغرب، محور كل شيء. وقد علق أحد الدارسين الأجانب للوضع المغربي، على هذا المُعطى بالقول: "المغاربة في حاجة إلى تجريدهم من السِّمة الحسنية".  وبطبيعة الحال، لم يكن سهلا، جعل المغرب والمغاربة، على السمة المذكورة، ذلك أنه خلال المسار السلطوي الطويل للحسن الثاني، كانت هناك ظروف حاسمة، على مستويات سياسية، واقتصادية واجتماعية، جعلته يفهم أن الغلبة في المغرب، لم، ولن تكون لـ "الأفضل" بل للأكثر سرعة، في الوصول إلى قدح الزناد، وبالتالي وجد الطريق سالكا إلى مُبتغاه، باعتبار السلطات المُطلقة، التي آلت إليه، في مغرب مُتعب و"مضبوط" جراء مخلفات المرحلة الاستعمارية.في خضم ذلك، كانت الحاجة ماسة إلى أذرع أمنية، لربح "حرب" المواقع النافذة في الدولة والمجتمع، وهو ما طرح تحديا كبيرا على مُستويين، الأول تمثل في "ضبط" المسؤوليات على رؤوس المؤسسات الأمنية المتناسلة: ("دي إيس تي" و "الشرطة القضائية" و "لادجيد" و "الاستعلامات العامة" ... إلخ) وذلك من خلال جعلها، تخدم التصورات "الأمنية" الردعية، وفي نفس الوقت ألا تتجاوز الخطوط "السياسية" الحمراء، أي أن لا تتحول إلى دولة داخل دولة، بما يهدد النظام الملكي نفسه. المستوى الثاني، تمثل في "ترسيخ" مفهوم عن الأمن، يجعل الناس بمختلف مُستوياتهم "مُستوعبين" للسطوة التنفيذية للدولة، في غياب تام، لكل الاعتبارات السياسية والقانونية والأعراف الحقوقية، وهو ما ترجمته العديد من المسلكيات الاجتماعية، والأمثال الشعبية من قبيل: "خاف من المخزن والعافية والبحر".. مما جعل المغرب والمغاربة، في حالة استثناء مُقيمة، تسري ليس فقط، في تفاصيل الواقع، بل تطال الأفئدة والأذهان. تركزت، إذن، السياسة الأمنية للحسن الثاني، في جعل الأجهزة السرية والعلنية، وهي بالعشرات، خارج إطار أية مساءلة سياسية (عبر البرلمان) وقانونية (القضاء) وشعبية (مؤسسات المجتمع المدني) اللهم بعض التناول الإعلامي المحدود، الذي كان ينقل أصداء بعض التجاوزات الأمنية، ليظل غير المعروف منها - أي التجاوزات - كبيرا جدا حتى اليوم. وفي نفس الوقت، عمد الحسن الثاني، إلى جعل الأجهزة الأمنية، مُتصارعة فيما بينها، بما كان يكفل له "إدارة" جيدة لها، تُبقيها حبيسة المهام التي أرادها هو، أي "التأطير" الأمني للناس.واليوم، فإن الإرث الثقيل للسياسة الأمنية للحسن الثاني، ما يزال يُنيخ بكلكله، على الدولة والمجتمع، إلى حد يعتبر فيه البعض، أن الأجهزة الأمنية، تحولت إلى دولة داخل دولة، تتجاوز في بعض الظروف الدقيقة، حتى الحسابات السياسية للدولة. وهو ما يطرح أكثر من سؤال حول الإرث المذكور، لفهم آلياته، والتصورات الأولى التي قام عليه. لذا ففي هذا الملف الذي نقترحه على القارئ، نعرج على العديد من تفاصيل السياسة الأمنية للحسن الثاني، ونورد بعض مُعطياتها المُثيرة لأول مرة، كما نُناقش أسباب وظروف نزولها، وبين هذا وذاك، نأتي على الاعتبارات الشخصية والسياسية للحسن الثاني، التي جعلته يطبع المغرب والمغاربة، بهوس أمن شخصه واستمرار نظامه. فكانت هذه الحصيلة.

الحسن الثاني و متاهات شبكاته الأمنية

ظلت المسألة الأمنية، ضمن صلب انشغالات الحسن الثاني، على مدى قرابة الأربعة عقود، التي دامها حُكمه، ويبدو من خلال تحليل نوع الحكم الشمولي، الشديد التركيز، الذي أرساه أنه كان أمرا حتميا، تقريبا، أن تتعدد أجهزة الأمن السرية والعلنية، بمختلف أشكالها وأنواعها، وتتسع تدخلاتها وتتعقد، بشكل جعلها أخطبوطا تنفيذيا، متعدد الرؤوس والأقنعة. ومن المؤشرات الدالة على ذلك، النفوذ المتعاظم، الذي كان لقادة ومسؤولين أمنيين في البلاد؛ فمحمد المديوري، الذي كان يُلقبه، العارفون بأدواره، وتدخلاته العميقة في كل صغيرة وكبيرة، من شؤون الدولة.. (يُلقبونه) بالقط، صنع من خلال إشرافه على الأمن الخاص للحسن الثاني، شبكة نفوذ طالت العديد من الأنشطة والمجالات، أكثرها ظهورا، بعض أنواع الرياضات، وعلى رأسها ألعاب القوى، التي كان الآمر الناهي فيها، ناهيك عن الكثير من القطاعات الاقتصادية الريعية، عبر البساط العقاري والخدماتي.. إلخ، وبين هذا وذاك، كانت للمديوري، مصالح متشابكة، في العديد من مجالات التسيير الحكومية، حيث كان كثيرا ما يلجأ لاستخدام نفوذه من أجل تحصيل العديد من الامتيازات له ولذويه.نفس الأمر يُقال، عما كان عليه نفوذ الجنرال "أوفقير" قبل ذلك، حيث كان يتحكم في كل صغيرة وكبيرة، من أمور البلاد، لدرجة أن كل الشخصيات في البلاد، مهما بلغ نفوذها وثراؤها، كانت "تخطب" ود الجنرال القوي، بالنظر إلى السلطات الواسعة، التي كان يحوزها، ولم يكن يقف في وجه قراراته سوى الحسن الثاني، باعتبار أن هذا الأخير، هو مصدر سلطاته، وربما يكون هذا من أهم الأسباب التي دفعت "أوفقير" إلى محاولة قتل الحسن الثاني مرتين، دون أن يسعفه الحظ في ذلك.ثم جاء من بعده، جنرال آخر، هو أحمد الدليمي، الذي جمع هو أيضا، عدة سلطات عسكرية وأمنية، جعلته الرجل الثاني، بعد الحسن الثاني في هرم السلطة، ليتحول هو وآله، خلال ما يفوق العشرين سنة إلى "أسطورة" نفوذ وسلطة وثراء، وكان يكفي أن يتم ذكر اسم "الدليمي" في مجلس خاص أو عام، لتجف الابتسامات، وتُبتلع القفشات، فقد كان الرجل "نموذجيا" في القسوة والبطش، وهو ما كان بطبيعة الحال، يخدم "سياسة" الحسن الثاني الأمنية. كما كان هناك رجال نافذون، من مستويات أقل، عبر أجهزة الأمن السرية والعلنية، ممن "انتبهوا" إلى النفوذ الذي "نزل" عليهم، في مجتمع مسكون بالخوف من "أصحاب الحال" وكان في ذلك أفضل "بيئة" لاستنبات سلطات منظورة، وغير منظورة، وفي ركابها الثروات الهائلة، التي تأتي مُهرولة، بطرق غير مشروعة. وفي هذا الصدد، يجدر التذكير بأن أهم تمويلات أجهزة الأمن السرية في المغرب، تأتي من الصناديق السوداء التي "أينعت" مثل الفطر في البلاد، ولم يكن في ذلك محض صدفة، حيث لن يكون بمستطاع الميزانيات "المنظورة" مهما بلغت ضخامتها سد حاجيات، سياسة أمنية، لا أحد يعرف طبيعتها، ومهامها، بل فقط "آثارها" الوخيمة. إنه بطبيعة الحال، غيض من فيض "إمبراطورية" النفوذ، التي كانت لبعض رجالات الحسن الثاني الأمنيين، أما ما خفي فكان أعظم، وفي ذلك واحد من المؤشرات على الدور المحوري للجانب الأمني، زمن حكم الحسن الثاني، مما أكد الأهمية القصوى، التي كان يوليها سلف محمد السادس، لمسألة أمنه الشخصي، وسلامة نظامه واستقراره، في بلد حابل بالمتناقضات، والمفاجآت. فقد عمد الحسن الثاني، مثلا، خلال السنوات الأولى، لما بعد الاستقلال، حينما كان ما يزال وليا للعهد، إلى إرساء شكل ومضمون الأمن، بالطريقة التي عُرفت بها الأنظمة الشمولية، بـ "نكهة" مغربية صِرف، وذلك، مثلا، من خلال وضع أعنة كل المسؤوليات، في إدارة المؤسسات الأمنية، بين أيدي النظام الملكي، الماسك بكل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، فلم يحدث مثلا طوال فترة حكم الحسن الثاني، أن ناقش البرلمان، ولو مرة واحدة الميزانيات التي تُرصد لأجهزة الأمن السرية والعلنية، بمختلف أشكالها وتلاوينها. كما لم يتم التطرق في نفس المؤسسة "التشريعية" قط، للأدوار التي كانت تقوم بها تلك الأجهزة الأمنية، ناهيك عن التساؤل حول هوية، أو هويات الذين يمنحونها بعض القرارات البالغة الدقة والخطورة، في قضايا الاعتقالات والتجاوزات الخطيرة لحقوق الإنسان.لذا فإنه من قبيل تحصيل الحاصل، القول إن الأجهزة الأمنية المغربية، ظلت دائما بمثابة سرداب مظلم شديد العمق، لم يتسن لأحد غير الحسن الثاني، وبعض كبار مُعاونيه، أمثال الجنرالين "أوفقير" و"الدليمي" و"إدريس البصري" و"حسني بنسليمان" و"حميدو لعنيكَري".. وآخرون أقل قيمة وشهرة، لكنهم كانوا غائصين في أسرار مغرب، ما أصبح مصطلحا عليه الآن بـ "سنوات الرصاص".وإذا كان لكل مسار حياة شخصية، تفاصيل محورية وأخرى ثانوية، تُفسر العديد من المحطات، أو المنعرجات التاريخية الحاسمة، فقد كانت للحسن الثاني، بِضع تجارب حاسمة في الحياة وممارسة الحكم، جعلته يُدير لولب السلطة أكثر فأكثر، لإحكام القبضة على مصير بلاد، وأناسها، حتى تظل تسير "الهوينى" على إيقاع حكم فردي، شديد البطء، لكن خطواته ثقيلة فوق الأفئدة والأمكنة.. حقا لقد طبع الحسن الثاني، المغرب بميسمه الشخصي، إلى أمد غير منظور، وبالتالي، غاص به أكثر فأكثر، في قعر المُراوحة، عند ذات المتاهة التاريخية لمغرب القرون الوسطى. وكان ذلك، بالفعل، نتيجة ردة فعل حاسمة من طرف رجل - أي الحسن الثاني - وقع غير ما مرة في ظرفية حاسمة، عرف أنها مصيرية، بمعنى "أن يكون أو لا يكون". فلم يشأ، بالنظر إلى خصائصه الشخصية، أن يكون فقط، بل أن يكون وحده ولا أحد غيره، وفي ذلك ضاعت معالم البلاد البشرية، عبر مختلف أنشطة الحياة، وتقزمت بنياتها السياسية والاجتماعية والإقتصادية، حتى لامست الانمحاء.فحينما تعرض الحسن الثاني لمحاولتين انقلابيتين، لسنتين متتاليتين، في بداية عقد السبعينيات من القرن الماضي، وخرج منهما ناجيا، بضربة حظ نادرة، كان قد تحول إلى شخص ميلانخولي (من الميلانخوليا).. وكان عليه أن يختار بين أمرين "أحلاهما مر" كما يُقال: إما أن يسلك درب إصلاح شديد التعقيد، لمؤسسات الدولة، وهو ما كان أحد أهم أسباب مُحاولات قلب نظام حكمه الفردي، أو تشديد القبضة أكثر فأكثر، على مُنافسيه في الحكم، ومُعارضيه، كيفما كانت طبيعة منطلقاتهم،  ومما جعل الوضع المغربي أكثر تعقيدا، أن الطبقة السياسية الحزبية، والنخب الاقتصادية والفكرية، لم تكن في المستوى والعزم الكافيين، للدفع في اتجاه خيار الإصلاح، بل عملت، على العكس من ذلك إلى تعزيز المنحى الذي اختاره الحسن الثاني، أي مساعدته، بطريقة أو أخرى، في تشديد لولب الحكم الفردي الشمولي، وكان الباقي مجرد "حكايات". وحينما كانت مؤشرات المُعارضة، تشرئب بأعناقها، سيما من بعض المكونات السياسية اليسارية، كانت الآلة الأمنية تتحرك بقوة، لتضرب بعنف.وكان طبيعيا، أن يتعاظم الدور الأمني لنظام الحكم، في أجواء عدم الثقة والاستقرار، كما حدث مثلا، بشكل سافر، خلال فرض حالة الاستثناء، على مدى سنوات طويلة.ومما عقَّد أدوار الأجهزة الأمنية، بمختلف أشكالها وتلاوينها، أن الملك الحسن الثاني، كانت له اعتباراته الشخصية الشديدة الحساسية، حيث كان معروفا عنه هوسه بأمنه الشخصي، واستقرار نظامه، وكان ذلك بمثابة هاجس مُقيم، سيما بعدما كان، أكثر من مرة، قاب قوسين أو أدنى من موت مُحقق. ولنضف إلى ذلك أن محاولات قلب نظامه، جاءته من أقرب مُساعديه (الجنرالين المذبوح وأوفقير والدليمي..) لذا أصبحت مسألة الثقة، ممسوحة من ذهنه، وقاموس حكمه، وتوغل، عقب اتخاذه خيار تشديد القبضة الأمنية، على البلاد والعباد، في العمل على استجلاب "الإخلاص" القسري، ليس من أقرب مُساعديه، من كبار رجالات الدولة المدنية والعسكرية، فحسب، بل وتصريف مظاهر الخضوع القهري، في المجتمع بأسره. فقد عمد مثلا، إلى بث إعصار اختراق أمني، بشكل عمودي وأفقي، في كل التنظيمات السياسية والمدنية .. إلخ، لجعل نمط حكمه الشمولي، حاضرا بقوة، في كل جزئية لها علاقة بالشأن العام. السجل الأمني، في البلاد كان "حافلا" على مدى ما يقرب من أربعة عقود، دامها حكم الحسن الثاني، ومن مؤشراته الكثيرة، أن كل صغيرة وكبيرة، من الشأن العام، تحولت إلى مسألة أمنية، والكثيرون منا، يتذكرون أنه أتى علينا حين من الدهر، طويل، كان أحدهم إذا أراد أن يؤسس فرقة كرة القدم، في الحي الذي يسكنه، للمشاركة في مباريات، من هذا المستوى، أي بطولات الأحياء في كرة القدم، كان الجانب الأمني يُستحضر من طرف سلطات المُقاطعة، التابعة لوزارة الداخلية، أما إذا كان الأمر يتعلق بتأسيس إحدى الجمعيات الثقافية، فكان الأمر، حينها، أدهى وأفدح، مع نفس السلطات، وهذا للدلالة على أن الهاجس الأمني كان مُقيما، كيف لا، والحسن الثاني، لم يكن يتصور إمكانية وجود مغرب آخر، خارج مفهوم "استتباب الأمن" بأي ثمن، ولو على حساب جعل البلاد كلها كتلة من الخوف.وصف بعض ممن اقتربوا من الحسن الثاني، أنه كان شخصا مُرهِقا لمُحيطيه، وذلك من دون شك، لأنه كان على وعي حاد، أن "هيبته" ومكانة نظامه السياسي، يقومان بالتحديد على شكل ومضمون علاقاته بمحكوميه، سيما أولئك الذين ساقهم "الحظ" ليكونوا إلى جانبه، يُصَرِّفون توجيهاته بين الناس، وعبر الزمان والمكان المغربيين، وبما أن الحسن الثاني، كان شخصا مسكونا، بهاجس سلامته، واستقرار نظامه، كما سبقت الإشارة، فقد استخدم صفاته الشخصية، غير العادية (باعتبار ظرف إمساكه بسلطة بلا ضفاف منظورة) واتخذ تجاربه المُعقدة في مُزاولة الحكم، ليكون كل شيء في خدمة الملك والملكية.فما الذي كان مُنتظرا من شخص، توفر على كل أسباب الثروة والسلطة، لكنه لم يكن يستطيع النزول، للسباحة في مسبح حالم، بقصر من قصوره الكثيرة الباذخة، مخافة أن يُفاجئه أحد الحانقين، عليه، أو الطامحين إلى أخذ السلطة منه، فيموت بمايو السباحة؟ ليس ثمة أكثر من جواب، بالنسبة لشخص بطباع الحسن الثاني. وهو تشديد القبضة حتى يختنق الجميع، بلا استثناء.يقول بعض الذين تأملوا تجربة الحسن الثاني في الحكم، إنه تحول خلال العشرين سنة الأخيرة من حياته، إلى رجل يُنصتُ إلى أوجاع الجسد، وهو ما جعله يتوغل أكثر فأكثر، بفعل "منطق المرض" في سياسة "الاستقرار بأي ثمن".. وزيره القوي في الداخلية "إدريس البصري" كان على علم بالتحولات البيولوجية للحسن الثاني، فقدم له "الراحة" اللازمة، وذلك بأن أعفاه من التفاصيل المُرهقة في تدبير شؤون الحكم، وكانت النتيجة أن تحول "البصري" إلى صدر أعظم بنفس مفهوم السلطة في القرن التاسع عشر، زمن "أحمد بنموسى" الملقب بـ "با حماد" و"المهدي المنبهي" خلال فترات حكم السلطانين الحسن الأول وعبد العزيز.. حيثُ يشكل الأمن حجر الزاوية في تصريف شؤون الدولة والمجتمع، والباقي تفاصيل تذروها الرياح العاتية لمنطق "استقرار أمن الدولة".

كيف فقد الحسن الثاني ثقته في الجميع؟

يتفق الكثيرون ممن تناولوا، بحثا أو عرضا، شكل الدولة الأمنية، التي اعتمدها طوال سنوات حُكمه الثمانية والثلاثين، على القول بأن محطتي الانقلابين العسكريين، بتاريخ 10 يوليوز 1971 و16 غشت 1972، جعلته رجلا آخر. كيف ذلك؟قبل التاريخين المشهودين المذكورين، كان الحسن الثاني، شديد الثقة والفخر بمؤسسة الجيش التي سهر على ترتيب أركانها، منذ كان وليا للعهد، فهو لم يتردد على التصريح، لمجلة "ليفينمان" الفرنسية، في شهر أكتوبر سنة 1966: "ليس هناك في المغرب سوى قوة تنظيمية وتنموية واحدة، إنها مؤسسة الجيش. فوحدهم ضباطي، منضبطون ونزهاء ومخلصون، ويُمكنني أن أطلب أو أنتظر منهم، أي شيء، هم وحدهم، يُمكنهم أن يسيِّروا هذا البلد بطريقة مُنضبطة، إنهم نزهاء، لأنهم لا يُمارسون السياسة، ويحبون مهنتهم، وسوف أعين عمالا عسكريين، على رؤوس الأقاليم، كما سأؤطر الإدارة المحلية، بالضباط وضباط الصف".وبطبيعة الحال، فقد أدى الحسن الثاني ثمن تلك الثقة غاليا، مرتين، خلال اليومين المذكورين على مدى سنتين مُتتابعتين، في الأولى كان قائد حرسه الخاص، الجنرال المذبوح، وراء العملية الانقلابية بقصر الصخيرات، في نفس اليوم، الذي كان يحتفل فيه الحسن الثاني بعيد ميلاده الثاني والأربعين، والثانية كان وراءها جنرال آخر، سلمه كامل السلطات المدنية والعسكرية، عقب نجاته من موت مُحقق، ونقصد بذلك الجنرال أوفقير، الذي نظم عملية انقلابية، سنة بعد الأولى، حيث خطط لقتل الحسن الثاني، وهو بين السماء والأرض، حين كان عائدا على متن طائرته الخاصة، من زيارة إلى فرنسا. ومرة أخرى كان الحظ، وسوء التخطيط، وراء نجاة الحسن الثاني من هلاك كان وشيكا جدا.في اللحظة التي اكتشف خلالها الحسن الثاني تورط الجنرال "أوفقير" في عملية الانقلاب، كان قد أخذ "الدروس" الكافية ليُصبح شخصا آخر.. وهو ما عبر عنه في جريدة "لوفيغارو" الفرنسية يوم 25 غشت سنة 1972 أي تسعة أيام بعد المحاولة الانقلابية، حيث قال: "يجب علي ألا أمنح ثقتي لأي كان، إنها صدمة ألقنها لنفسي من خلال اتخاذ هذا القرار، لكن الأمر لا يتعلق بي وحدي بل بملايين الناس الذين أتحمل مصائرهم بعد الله".

الحسن الثاني كرر الخطأ نفسه للمرة الثالثة

كان الحسن الثاني، قد تحول إلى شخص آخر، مهووسا بسلامته الشخصية، وبالتالي بقاء نظام حكمه قائما، غير أنه ويا للغرابة، لم يلتزم الحذر، أغلب الوقت، كما أوحى بذلك، حيث سقط في نفس الخطأ، مع جنرال قوي آخر هو "أحمد الدليمي". وحسب بعض الذين حللوا هذا المعطى، فإن الحسن الثاني لم يكن بوسعه فعل غير ذلك، باعتبار أن شكل ومضمون النظام الشمولي، الشديد التركيز، والقائم على السلطة الفردية، الذي أرساه، كان لا بد أن تكون به ثغرات عديدة. ومنها أن إدارة شؤون الدولة، تتطلب حضورا مستمرا للبديهة، والحال أن الحسن الثاني كانت لديه "انشغالات" مخملية، مما جعله أغلب الوقت يصدر التوجيهات الكبرى، تاركا لآخرين، من رجال النظام النافذين مهام تطبيقها، على أرض الواقع، ويحدث في خضم هذه الآلية الشمولية، أن يصبح زمام النظام، قابلا للأخذ من أحد كبار رجالات النظام. وهو ما حدث بالضبط، مع تجربتي "أوفقير" سنة 1971 و "الدليمي" سنة 1982، ولا غرابة أن ينتهي الاثنان بنفس الطريقة تقريبا.وفي تلك اللحظة الحرجة الثالثة، من تجربة الحسن الثاني في الحكم، سيدخل رجل آخر على الخط ليلعب دور "أذن وعين" الحسن الثاني هو محمد المديوري، وذلك حينما عمد هذا الأخير إلى تلقي "اعترافات" الدليمي، ومن بينها مثلا، ما كتبه في تقرير رفعه للحسن الثاني: "لقد اعترف - أي الدليمي - بأنه التقى المدير المساعد لعمليات وكالة المخابرات الأمريكية (سي إي آي) وأن هذا الأخير كان قد طمأنه بتقديم المساعدة، في حالة  تنفيذ عملية انقلاب، وشجعه على التحرك في هذا الاتجاه".حينها اكتشف الحسن الثاني، اللعبة الأمنية والاستخباراتية، وتعقيدات تحالفاتها، وبالتالي مُحاولته الاستفادة منها على أكثر من مستوى.

كيف جعل الحسن الثاني إدريس البصري وحسني بنسليمان يتعاركان بالأيدي؟

اكتشف الحسن الثاني، الوصفة الأنجع، للتحكم في المعطيات الأمنية، وذلك بعدما تأكد له أن وضع المسؤوليات الأمنية، بين يدي رجال قلائل، كما كان الأمر مع "أوفقير" بالنسبة للداخلية والجيش والمخابرات، ثم "الدليمي" بالنسبة للجيش والمخابرات العسكرية، وبالتالي عمله - أي الحسن الثاني - على بعثرة المسؤوليات، على العديد من الأشخاص العسكريين والمدنيين، من أجل الحفاظ على نظام الحكم. لجأ في البداية إلى تفكيك السلطات العسكرية والأمنية، التي كانت بحوزة الجنرال "الدليمي" وسلم مقاليدها، إلى أكثر من شخص، عين مثلا الكولونيل ماجور محمد  الشرقاوي، الذي كان على رأس الحرس الملكي، مديرا لمصلحة ياورات (جمع ياور) القصر، أما مديرية المخابرات العسكرية (لا دجيد) فآلت للجنرال عبد الحق القادري، ومنصب مُدير الأمن لحميد بخاري، وأخيرا عين الجنرال عبد العزيز بناني، مسؤولا عن قيادة الجيش بالجنوب، وذلك بعدما كانت هذه المسؤوليات مُجتمعة في يد الجنرال "احمد الدليمي".غير أن الأهم من ذلك، كان متمثلا في اعتماد الحسن الثاني، على قاعدة ذهبية، تمثلت في زرع الإنقسام بين كبار مُساعديه، حيث عمد إلى ضرب هذا بذاك، عبر شبكة ارتباطات مُعقدة، حيث أصبح كبار المسؤولين المدنيين، في صراعات دائمة التأجج، مع نظرائهم في المجالات العسكرية والأمنية، وأكبر مثال بهذا الصدد، الخصومات والحساسيات الحادة، التي نشأت بين رجال الدرك والجيش، وتبين أنه لا وجود لأحد في المغرب، فاق الحسن الثاني في إذكاء نيران الخلافات الشخصية، بين هؤلاء وأولئك.وللدلالة على هذا المستوى، الذي وصلت إليه الخلافات الشخصية، بين كبار رجالات الدولة في عهد الحسن الثاني، نورد هذه الواقعة: كان الحسن الثاني يوما مُقيما في قصر مدينة "بوزنيقة" يتداول مع بعض مُستشاريه ومساعديه المقربين، في موضوع الصحراء، وكان من بين الحاضرين، الجنرال حسني بنسليمان ووزير الدولة في الداخلية إدريس البصري، وحدث أن اختلف الرجلان في جزئية مُعينة، وتبادلا كلمات نابية، ليتطور الأمر، إلى حد الدخول في اشتباك بالأيدي، وكان مُلفتا، حسب أحد الذين تابعوا المشهد، أن الحسن الثاني لمعت عيناه حينها من شدة السرور، ذلك أن جهوده كانت قد أثمرت إحدى النتائج "الإيجابية" وتمثلت في جعل اثنين من كبار رجال الدولة مُتنافرين إلى ذلك الحد.كانت للحسن الثاني أيضا، علاقة أمنية حميمية مع رجل يُلقب بـ "القط" ونعني به رئيس حرسه الشخصي "محمد المديوري".. كان هذا الأخير ينفذ، بذكاء شيطاني توجيهات الحسن الثاني الأمنية، حسب أحد المُقربين مه، فمثلا، حينما عمد مدير الأمن الوطني السابق "محمد الميداوي" إلى تجاوز نفوذ إدريس البصري، بمحاولته خلق تواصل لحسابه الخاص، مع القصر، ومُهاجمته لبعض أصدقاء "المديوري" عمد هذا الأخير إلى تنحية الرجل - أي الميداوي - من منصبه والتطويح به في عراء الفراغ، إلى غاية بداية سنوات حكم محمد السادس، الذي انتشله من خانة النسيان، وعينه وزيرا للداخلية في حكومة عبد الرحمان اليوسفي.

"اغتنوا بالثروات ودعوني أحكم"

انتبه الحسن الثاني، بحسه الساخر الحاد، أنه من أجل مُراقبة أفضل، لمقاليد أهم السلطات الأمنية في البلاد، كان يجب عليه أن يشتري "هدوء" كبار المسؤولين الأمنيين، ومن أجل ذلك، عمل على التلويح أمام أعينهم، بالمنافع المادية العميمة لإقناعهم، لذا أغرقهم في الهدايا، التي كانت عبارة عن إقامات فاخرة، قوامها فيلات في أرقى الأحياء السكنية، بكبريات المدن المغربية، مثل الرباط ومراكش وأكَادير.. كما أغدق عليهم الضيعات المملوكة للدولة، وعقارات كبيرة، ورخص الصيد في أعالي البحار، ومقالع الرمال، وغيرها من الامتيازات الريعية، أما بالنسبة لبعض كبار المسؤولين، الذين لم يتسن لهم الاستفادة من تلك الأعطيات، لسبب أو آخر، فقد كانت هناك الأبناك والصناديق المالية، المملوكة للدولة، على استعداد دائم، لمنحهم قروضا تسهيلية، ثم لا يُسألون ولا يُحاسبون عن أوجه إنفاقها، كما هو الشأن بالنسبة لردها، وبطبيعة الحال، لم يكن هناك مَن يستطيع طرح أسئلة بهذا الشأن أو غيره، في بلد يُعتبر فيه كل شيء في مِلك الملك.كانت نصيحة الحسن الثاني كالتالي، لكبار رجال دولته: "اغتنوا بالثروات واتركوني أحكم" وبطبيعة الحال، تم إتباع هذه النصيحة حتى آخر قطرة، حيث عمد كبار قادة الجيش والدرك، ومسؤولو الأجهزة الأمنية، ووزراء القطاعات الاستراتيجية، وحراس ثروات الحسن الثاني، بدون استثناء، إلى مُراكمة الثروات الهائلة، ونقلها إلى الخارج في أكياس كبيرة" كما قال النقابي نوبير الأموي منذ بضعة أيام لإحدى الجرائد اليومية. وبذلك أمكن للحسن الثاني أن يُعزز وصفة "فَرِّق تسد" بين رجالات الدولة وأكبر مساعديه، عبر تقنية التنافس على الثروات، وبذلك أحكم السيطرة على مُختلف مرافق الدولة الأمنية والحكومية والعسكرية.. إلخ.

أجهزة أمنية بالعشرات و.. "فرِّق تسُد"

كان الحسن الثاني، قد انتبه منذ فترة طويلة، إلى أنه من الخطورة بمكان، الاعتماد على مصدر معلومات وحيد، في إدارة شؤون الحكم، لذا فمن أجل الحد من مخاطر توجيه المعلومات الأمنية، في وِجهات "الخيانة"، عمد إلى مُضاعفة مصالح الاستخبارات بمختلف أنواعها وأشكالها، وحينما فارق الحسن الثاني الحياة، كان قد ترك منها العشرات، تخوض حروبا ضروس فيما بينها، وتنشغل بمراقبة، بعضها البعض، حينما تهدأ بينها المعارك المُباشرة. فهناك من جهة إدارة مراقبة التراب الوطني المعروفة اختصارا بـ "دي إيس تي" والاستعلامات العامة "الإير جي" التابعتان لوزارة الداخلية، والمكتب الثاني "الدوزيام بيرو" التابع للجيش. كما كانت هناك تقارير المديرية العامة للوثائق والمستندات، المعروفة اختصارا بـ "لادجيد" أي جهاز المخابرات العسكرية، الموجودة فروعها، في كل المناطق المغربية، ويسهر على إنجاز مهامها الاستخباراتية، خيرة ضباط جهاز الدرك، وهناك أيضا رجال البوليس بألبسة مدنية، وأفراد القوات المساعدة.وبالتالي توفرت للحسن الثاني تقارير مُتعددة، من أجهزة استخباراتية وأمنية مختلفة، مفصولة إداراتها، عن بعضها البعض، بل ومتنافسة، فيما بينها، حتى يُمكنه إنجاز عمليات التركيب للمعطيات، بما يكفل له خدمة استخباراتية وأمنية فعالة، فتسنى له بذلك التحكم في المعلومة مِصداقا للقول الشائع: "مَن يملك المعلومة الصحيحة يملك السلطة".وبالرغم من هذا وذاك، فإن هناك مَن ذهب إلى القول، إنه منذ اختفاء الجنرال "أحمد الدليمي" أصبح أفضل مصدر للمعلومات هو جهاز الدرك، الذي يتوفر على سريات مزروعة، في كل مكان آهل بالبلاد، حتى في المناطق النائية.وأخيرا، فإن القصر الملكي توفر أيضا على فرقته الأمنية الخاصة، التي قوامها بضع عشرات من رجال الأمن الخاص، لا علاقة لها بالمعطيات الأمنية خارج مُحيط القصر، ليتبين أن الأمر يتعلق بفرقة مُخابرات مُستقلة عن باقي الأجهزة الأمنية السرية والعلنية، بل لها صلة مُباشرة بالقصر وحده، أي الحسن الثاني، وكان هذا الأخير، شديد الفخر بهذه الفرقة الأمنية الفريدة من نوعها، وربما أنه كان يمنحها أكبر ثقة.

"كود" أمني صارم بنواهي وأوامر العيش في القصر

لم يكن الحسن الثاني يفرط في الجزئيات الأمنية، حتى عندما يكون الأمر متعلقا بتفاصيل الحياة، في أركان القصر، فقد عُرف عنه، دِقته في مُراقبة كل صغيرة وكبيرة، في مقرات إقامته، ليعرف ما إذا كان أحد أبنائه أو نساء حريمه.. إلخ، قد تجنب التقيد بـ "كود" التحرك والعيش في جنبات القصر، ووصل به أمر تشديد المُراقبة على مقرات إقامته، وفضائها الخارجي، أن كان يعتلي في فترات مُنتظمة من اليوم، أكبر بنايات القصر، ثم يشرع في مسح جنبات الفضاء الخارجي للقصر، مُستعملا منظارا مكبرا، هل كان يخاف أن يُفاجأ بهجوم عليه، داخل عقر قصره؟ أم كان يتجسس على المُقيمين والعاملين به؟ هو وحده كان يعلم بما كان يدور بخلده، في تلك الفترات التي كان يقضيها، مسترقا النظر إلى ما يجري في الفضاء الشاسع للقصر.كان أيضا يُتابع عن كثب، تحركات كل الموجودين في القصر، وضيوفهم، وسلوكاتهم، أما حينما كان يُسافر لبضعة أيام خارج المغرب، فإنه يُبادر، بمجرد عودته، إلى مُجالسة أخلص نساء حريمه، ليعرف ما جرى في غيابه بالتفاصيل المُملة، وحسب مُعطيات مُتوفرة، فلا أحد كان يُستثنى من "الوشاية" بما في ذلك أقرب المقربين منه، أي أبناءه وأبناء إخوته، هذا ناهيك عن التقارير الضافية، بالتفاصيل الدقيقة أيضا، التي كان يرفعها له "القط" المديوري، الذي كان يرأس جهاز الأمن الخاص بالقصر، فيما يُشبه جهاز مخابرات قائما بذاته، وفي خضم أداء صارم لمهامه الأمنية، لم يكن المديوري يتردد في مُعاقبة الخارجين عن "كود" أمن القصر، مهما كانت وضعياتهم العائلية (من أقرباء الحسن الثاني)، أما التقارير "الخاصة" التي كانت ترفعها إليه أعين القصر متمثلة في بعض نساء الحريم، فقد كان الحسن الثاني يستخدمها في ضبط إيقاع حياة الموجودين بالقصر، بما يستجيب لهاجس الأمن والانضباط. ولم يكن يتردد في إنزال العقاب الجسدي بأبنائه، حينما يصله عنهم، ما يُفيد خروجهم عن ضوابط نفس "الكود". حيث كان مثلا ممنوعا على أبنائه وبناته الأمراء والأميرات، ارتياد أماكن في القصر، موقوفة على الحسن الثاني وحده، مثل غرف نومه، ومقرات إقامة نساء حريمه. وقد بلغ من شدة الجزاءات العقابية، أن حاول بعض أقرب المقربين منه، رفع شكاية إلى منظمة العفو الدولية، في شأن تلك العقوبات الجسدية المبرحة، التي كان يُكيلها لهم الحسن الثاني.هكذا كانت السياسة الأمنية للحسن الثاني، قد طالت كل مناحي حياته العامة والخاصة، وهو ما ظل عليه حتى أواخر سنون حياته.

مُخبرون مجانيون لأجهزة الأمن السرية

من المعلوم أن النظام الأمني، المتعدد الرؤوس والمهام، الذي وضعه الحسن الثاني، كان يعتمد على الكثير من الدقة والفعالية، بغاية تأطير كلي لمؤسسات الدولة، كما لشؤون الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية .. إلخ، ولتلك الغاية، كان لا بد للحسن الثاني من التوفر على جهاز أمن سري قوي، فكانت فكرة إنشاء مصلحة "الكاب 1" منذ البداية، يحكي العميل السابق للمخابرات "أحمد البخاري" في كتابه "السر" بعض تفاصيل الأداء "المهني" لهذا الجهاز، لنستمع إليه: "كان الكاب 1 يُمارس مهمته تحديدا في المغرب، وقد كان يحصل أن يقوم بمهمات خارج البلاد، من أجل القيام ببحث أو مراقبة، والتعاون مع رجال أمن المخابرات السرية، لدول مُجاورة مثل الجزائر. ومن أجل ذلك، كان كل واحد منا يتوفر على جواز سفر حقيقي أو مزور. ففيما يخصني فقد اخترتُ اسمي صديقين هما زكاري الهاشمي واحمد تمول، وبهذين الاسمين سافرت ما بين سنوات 1960 و 1973، أكثر من عشرين مرة، إلى الجزائر ومصر ودول الخليج وفرنسا.." ... ثم يقول "البخاري" بصدد المهام الداخلية للكاب 1: "بسرعة فائقة صارت الكاب 1 أحسن مصلحة للاستخبارات في البلاد، لقد كانت لنا ثقة في مصادرنا عامة، التي كانت تتقاضى أجرا،  وكانت دائما مُنتقاة بعناية، من داخل الأحزاب، وفي الدرجة الأولى، كنا نختار الأفراد، الذين يشغلون مهام الكتابات الوطنية والجهوية، وكان من الأفضل أن يكون المستقطبون، من المناصب الستة الأساسية: الكاتب العام الذي يهيء جداول الاجتماعات، ونائبه وأمين المال والمقرر ثم الكاتب الإداري، وفي كل الأحوال، فإن المصادر الرئيسية، كانت تُشكل جزءا من الأعضاء المنتخبين للمكتب وتشغل وظيفة المسؤولية. كنا نُحوِّل لها مبالغ مالية، تتناسب ومدة وظيفتها. وفي حالة فشلها في تسلم مهامها، خلال الجموع العامة، لتجديد المكاتب المُسيرة، كنا نلجأ إلى البحث عن مصادر جديدة. ذلك أن الكاب 1 لم يكن يلقي اهتماما  للخاسرين" ثم يستطرد البخاري: " لم نكن نهتم بالمناضلين السياسيين وحدهم، بل كنا نوظف أيضا، أفرادا عاملين في السياحة والاقتصاد، وفي المجالات البحرية، والجوية، والإدارات العامة، والمقاولات الخاصة، فخلال ممارسة هؤلاء، لمهامهم الوظيفية، يكون بإمكانهم، الحصول على معلومات قيمة. غير أن هذا الضرب من المخبرين، لم يكونوا يتقاضون تعويضات عن مهامهم السرية، بل كنا فقط نسهل لهم الحصول على بعض الامتيازات الشخصية والوظيفية.أما المصالح الاستخباراتية الأخرى للمملكة، فقد كانت تستعمل مصادر إخبارية إقليمية مُختلفة، وهم عبارة عن مُخبرين يتعاونون بالمجان، في حين أن الشرطي القضائي، يعمل بشكل مُغاير، حيث يعتمد على مُخبرين مأجورين، أما المكتب الثاني (الدوزيام بيرو) الذي كان يشرف عليه الكولونيل حسن اليوسي، فقد كان مكلفا بمراقبة أفراد القوات المسلحة".

"غزوات" المخابرات المغربية

من المعروف أن المخابرات المغربية، منذ نواتها الأولى "الكاب 1" في بداية عقد الستينيات، من القرن الماضي، مرورا بـ "مديرية مراقبة التراب الوطني" (الدي إيس تي) في بداية عقد السبعينيات، ثم "الفرقة الوطنية للشرطة القضائية" فيما بعد، شكلت كلها "العمود الفقري" للسياسة الأمنية التي اعتمدها الحسن الثاني، لكن كانت هناك الأطراف، وباقي أعضاء الجسد المخابراتي، المعروفة وغير المعروفة، التي تناقل الناس وقائع مهولة، عن تدخلاتها في أكثر من مناسبة، بالنظر للعواقب الوخيمة، التي أسفر عنها أداؤها بعيدا عن كل أشكال التقيد بالقانون والأعراف الجاري بها العمل في الظاهر.لنستمع لأحمد البخاري، وهو يروي نتفا فحسب، من "غزوات" المخابرات المغربية: "تتحرك الفرق (المخابراتية) بدون عقاب، فهي لا تتردد في القيام باختطافات مُفاجئة، أمام أعين الناس، في كل مكان، في النوادي الخاصة، ومكاتب العمل والمطاعم، أو بالشارع العام، مُعرقلة حركة المرور، في خضم عملية الاعتقال، ووضع الأصفاد، وتجريد الشخص المعتقل، من كل ما يكون بحوزته من ممتلكات شخصية، مثل النقود وساعة اليد وسلسلة العنق والخاتم وما شابه.أما عملية الاختطاف، التي تجري بمقر سكنى المعني بالأمر، فتمر في ظروف سرية كاملة، حيث غالبا ما تجري ليلا، ما بين الساعة العاشرة والرابعة صباحا، حيث يكون رجال الأمن السريون، خلال هذه الفترات الزمنية، في حالة سكر، بشكل دائم، فيُفاجئون الشخص المُراد اختطافه، وعائلته، بتصرفات وضيعة، بالغة الخشونة، حيث يقومون مثلا، بتعنيف ابن يُحاول الدفاع عن والده، إذ تنهال عليه ضرباتهم من كل جانب، بقبضات رجال شِداد غلاظ، مفتولي العضلات، وقد وقفتُ على حالات اختطاف كثيرة، وصلت فيها الأمور إلى حد اغتصاب جماعي للنساء والأطفال من أفراد أسر المُختطفين.فبمجرد انتهاك فضاء المنزل، يعمد رجال الأمن السريون إلى بعثرة الأسِرَّة وأغطيتها، وتمزيق الأرائك، وكل أثاث المنزل، بحثا عن أشياء بعينها، ويسرقون التحف والأواني، المزخرفة.. وما شابه. يكون الهدف الظاهر من عملية التفتيش، هو العثور على وثائق ومستندات لاتهام المُختطف، غير أن العملية تتحول إلى سرقة وسلب ونهب، ويحصل أحيانا، أن يتم حجز سيارة المعني، وأغراضه الثمينة، ثم تتم عملية توزيع الغنائم، حيث يأخذ رؤساء مصالح عمليات الاختطافات، السيارات ويستخدمونها في مشاويرهم الشخصية.وما أن تنتهي عملية الاختطاف، حتى يتم اقتياد المُختطف، إلى مكان مُعتم لا تطاله أشعة الضوء، ويتم الإلقاء به فوق أرضية عارية رطبة، بدون أي فراش أو غطاء، ويكون المكان برمته، منقسما إلى خمس زنازن كبيرة، تُقدم وجبات عشاء شحيحة، عبر منفذ ضيق، مثل نافذة صغيرة، تقع أسفل الجدار. ومع ذلك فالمكان ليس سوى محطة عبور، يتكدس فيه عادة بضع عشرات من المُختطفين.بمجرد أن يدخل الضحية إلى هذا المكان، فإنه يكون قد ولج فضاء مجهولا، لا ينتمي لعالم البشر، حيث لا يتم تقييد اسمه ومعلوماته الشخصية في أي دفتر، ويُحاط بالصمت من كل جانب، ولا يتلقى عنه أفراد عائلته أي خبر، وحينما يعمدون إلى رفع شكاية، لدى إحدى المصالح الإدارية، فإنهم يُواجهون بعداء".

عندما اعتمد الحسن الثاني على أجهزة الأمنالأجنبية "حتى يطمئن قلبه

بالرغم من كل الأجهزة الأمنية بالعشرات، التي صنعها الحسن الثاني، من مختلف الأنواع والأشكال، فضلا عن جهاز أمن خاص بالقصر، تصرف الحسن الثاني، خلال سنوات حكمه الطويلة، بصدد الهاجس الأمني، كما لو كان كل ذلك غير كاف. كيف ذلك؟لقد عمد الحسن الثاني، حسب بعض المعطيات المُتوفرة، إلى الاستعانة بـ "خدمات" بعض أجهزة استخبارات بلدان "صديقة". ويُستفاد في ثنايا هذا الجانب الشديد الغموض والالتباس، إلى حد العتمة، أن رئيس الحرس الخاص للحسن الثاني "الحاج المديوري" يتوفر على العديد من الأسرار بهذا الصدد، فهو يعرف مثلا، حسب البعض، أنه خلال بعض الليالي، كان الحسن الثاني، يستقبل هذا المسؤول أو ذاك، من جهاز المخابرات الفرنسية، أو الأمريكية أو الإسرائيلية، كما أن أجهزة استخبارات بعض الدول الخليجية، كانت لها أيضا "صلات" وثيقة ببعض مجالس الحسن الثاني الليلية، ويجمع بينهما الاشتغال على "ملفات" تقتضي المتابعة.لم تكن تتردد إدارات الأجهزة السرية، في عواصم عالمية مثل "باريس" و "واشنطن" و "القدس" من إرسال مبعوثين عنها، إلى قصر الرباط، مُحملين بتقارير تركيبية، في غاية الأهمية بالنسبة للحسن الثاني، وكان من جانبه لا يتردد في رد "الجميل" عبر خدمات مُماثلة، ومن ذلك مثلا، أن رجال مُخابرات مغاربة، كانوا مدسوسين في ليبيا، حينما كان الأمريكيون يعتقدون جازمين، أن الكولونيل القذافي كان بصدد صنع أسلحة كيماوية.الغريب أن الحسن الثاني، لم يُخف أبدا علاقات "التعاون" مع أجهزة الاستخبارات الأجنبية،  ففي حواراته مع الصحافي الفرنسي "إيريك لوران" الصادرة في كتاب بعنوان "ذاكرة ملك"، تباهى بتعامله مع "رؤساء أجهزة المخابرات الأجنبية" حيث قال بالحرف: "ليس هناك أي مجال للتهاون في مثل هذه المعاملات، فكثيرا ما يحدث، أن يكون العديد من رؤساء أجهزة المخابرات حاضرين في المغرب، وقد حدث خلال بعض الظروف، أن كان خمسة رؤساء أجهزة مُخابرات أجنبية، متحلقين حول مائدة طعام بمدينة مراكش".لقد عبَّر رؤساء جهاز المخابرات الفرنسية المُتعاقبون، في مُذكراتهم، عن انبهارهم بشخص الحسن الثاني، ومن بين الشهادات في هذا الصدد، ثمة ما قاله "ألكسندر دو ميرينشيس" الذي ترأس المخابرات الفرنسية، لسنوات عديدة، حيث قال لصحافية فرنسية، حاورته: "الحسن الثاني، كان يتوفر على ضرب من الذكاء، قلما صادفتُ نظيره عند غيره، كما كانت لديه ذاكرة مُذهلة، وتوفرت لديه أيضا، عين ثالثة، تمثلت في حساسية بالغة، ودقة النظر، وبذلك فقد كان واحدا، من رجال قلائل من عصرنا، ممن توفروا على فهم ورؤية للقضايا العالمية ، التي كانت في حاجة إلى إمكانيات مالية تتجاوز ما لدى المغرب. فلو كان الحسن الثاني، الذي كان من مهامه، حراسة إحدى ضفتي جبل طارق، متوفرا على قسط من بترول الخليج، لتحول مظهر العالم، كان الحسن الثاني قد فهم كل شيء".

حينما بعث الحسن الثاني امرأة جزائرية إلى "بوتفليقة"

بالإضافة إلى سعيه لكسب صداقة أجهزة المخابرات الأجنبية،من خلال إمدادها بتقارير سرية، فإن الحسن الثاني، تمكن أيضا عبرها - أي اجهزة المخابرات - من إيصال رسائل لرؤساء الدول الصديقة، دون المرور عبر القنوات الديبلوماسية الرسمية، الثقيلة، المشكوك في فعاليتها، وقد قال أيضا لـ "إيريك لوران" بهذا الصدد: "إذا ما كان لديك تفاهم مع أحد رؤساء الدول، فإنك تتفق معه على التواصل، بعيدا عن القنوات الديبلوماسية الكلاسيكية، وذلك من خلال أجهزة الاستخبارات، وبذلك تكون متأكدا، أن رسالتك ستصل، دون أن تخضع للتعليق، أو الاعتراض، من طرف شخص آخر. إنها الوسيلة التي أستخدمها مع بعض البلدان، حيث نحل مع السفراء المشاكل العادية، أما حينما يكون الأمر متعلقا، بإبلاغ رسالة آنية، يجب أن تصل باستعجال، إلى رئيس البلد المعني بها، فإنني استعمل حينها قناة خاصة، يمكنها أن تُوفر الجواب عن الرسالة، في ظرف لا يتعدى أربعة وعشرين ساعة".اللجوء إلى الديبلوماسية "الموازية" كان من خصائص فترة حكم الحسن الثاني، اعتمدها من البداية حتى النهاية، ففي علاقاته المتشابكة، مع الإسرائيليين، كانتا هي الوسيلة الوحيدة المُستعملة، و يُذكر أنه سنة قبل وفاته، لجأ الحسن الثاني إلى خدمات امرأتين، الأولى مُحامية جزائرية، كانت تُسافر كثيرا بين الرباط والجزائر وباريس، وامرأة أعمال مغربية، مُقربة من العائلة الملكية، فبفضلهما استطاع الحسن الثاني، إحداث تقارب مع الجزائر. لقد كانت الظرفية مُواتية، فعبد العزيز بوتفليقة، الذي لجأ إليه قادة الجيش الجزائري حينها، لخلافة الرئيس "لامين زروال" كان يأمل في تحسين العلاقات الجزائرية المغربية، ومن أجل تسهيل ذلك، أكد الحسن الثاني لبوتفليقة، عبر المرأتين المذكورتين، دعمه، ووعده بتسويق ترشيحه لمنصب الرئاسة، لدى أصدقائه الفرنسيين.وكان أن تم عقد تواصل، بين الحسن الثاني وبوتفليقة، عبر المرأتين اللتين كانتا موضع ثقة لدى الرجلين، وتدعم ذلك أكثر فأكثر في بضعة أشهر، دون أن يعلم عنه أحد شيئا في وزارتي الداخلية والخارجية المغربيتين، فواحدة من المرأتين المذكورتين، كانت لها صلة مُباشرة بالحسن الثاني، أما الأخرى (الجزائرية) فكانت مُقربة من "بوتفليقة".. وحينما تولى هذا الأخير رئاسة الجزائر، فُتحت مرحلة جديدة، حيث عبر الجزائريون عن رغبتهم، في أن يتم انتزاع ملف العلاقات الجزائرية المغربية، من يد إدريس البصري، وبالتالي نفض يده من نزاع الصحراء، ذلك أنه لم تكن للجزائريين ثقة في وزير الدولة القوي في الداخلية آنذاك، وكانوا يحذرون من "تلاعباته" ولعبة الظلال التي كان يتقنها، وكان أن عمد الحسن الثاني، إلى اقتراح لقاء قمة بينه وبين الرئيس "بوتفليقة" لمنح طابع رسمي لمسألة عودة الدفء للعلاقات بين البلدين، واستتباب جو الثقة بينهما، على أن يتم الشروع عقب ذلك، في مفاوضات سياسية مُباشرة، لفض النزاع في أكثر من ملف، وعلى رأسه مشكل الصحراء.وحدث بعد ذلك، أن دور المرأتين، الجزائرية والمغربية، لم يذهب بعيدا، ففي يوليوز من سنة 1999 توفي الحسن الثاني، ليتم وضع نقطة النهاية، على ذلك النوع من الديبلوماسية "الموازية" الناجعة، التي كان الحسن الثاني يُتقن استخدامها.

كيف راقب الحسن الثاني ولي عهده من وراء الزجاج؟

ذهب البعض، في وصف نوع العلاقة التي كانت بين الحسن الثاني وابنه الملك الحالي محمد السادس، إلى القول إن لقاءاتهما رأسا لرأس، كانت قليلة جدا، وإن الأب لم يكن يشرك ولي عهده في شؤون الحكم، مُعتبرين ذلك نوعا من الحذر من طرف الملك الراحل، في حين رأى آخرون ذلك، نابعا من رغبة أب في حماية ابنه، تأتي في هذا الصدد واقعة معروفة حدثت في بحر سنة 1996، حيث منح الحسن الثاني على حين غرة لولي عهده، مهمة إجراء مفاوضات، مع وفد من قيادة جبهة البوليساريو، وذلك رغبة في وضع حل لنزاع الصحراء، وتبين، حسب البعض، أن الأمر لم يكن سوى عملية إخراج مُتقنة، مُعدة سلفا، ذلك أنه منذ اليوم الأول، لبداية المفاوضات، في قصر الصخيرات، فهم الوفد الصحراوي المُفاوض، أنه خلف الأسوار الزجاجية الغامقة، للغرفة التي شهدت اللقاءات، كانت هناك كاميرات منصوبة، تصور ما يجري، وبالتالي كان الحسن الثاني، يتابع ويستمع، أولا بأول، لأطوار اللقاء، وتأكد ذلك، بالنظر إلى أن ولي عهد الحسن الثاني، لم يكن يتوفر على أي هامش للفعل، حيث عمد بلباقة إلى الاعتراف، خلال اللقاء، أنه لا يتوفر على ترخيص لمناقشة موضوع استقلال الصحراء، وذلك بعدما ألح الوفد الصحراوي، على التفصيل في هذه النقطة، حيث قال لهم، ابن الحسن الثاني وولي عهده، حينها: "يُمكنني أن أتكلم في كل ما يتعلق بالموضوع، باستثناء فكرة الاستقلال، التي لا يمكنكم التحدث بشأنها، سوى مع والدي وحده".ثمة واقعة أخرى، من نفس العيار تقريبا، كانت قد حدثت بين أحد قادة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي أصبح بعد ذلك ببضع سنوات قليلة، واحدا من وزراء حكومة عبد الرحمان اليوسفي، وولي العهد آنذاك، وبالتحديد حينما كان الاتحاديون، يُناقشون مع الحسن الثاني، ظروف تسلمهم لحكومة التناوب، فقد حدث أن القيادي الاتحادي المعني، حاول التحدث مع ولي العهد، على انفراد، ليُخطره بتفاصيل المفاوضات مع أبيه، وحينما علم الحسن الثاني، بذلك تملكه الغضب، وبعث إلى القيادي المذكور، مَن يقول له هذه العبارة الباترة: " لا تحشر ولي العهد في هذه القضية".تأكدت مسألة المُراقبة اللصيقة، التي كان الحسن الثاني يُخصصها لولي عهده، حينما تبين أنه سبق أن كلف وزيره القوي في الداخلية "إدريس البصري" بإنجاز تقرير أمني عن تحركاته، وذلك بعدما كان رجل الشاوية القوي، في النظام آنذاك، قد عمد إلى إبلاغ الحسن الثاني، أن ابنه التقى على انفراد  بأحد قياديي اليسار، وحينها طفق إدريس البصري، في بث العيون، في أثر حركات وسكنات، ولي عهد الحسن الثاني، وينجز بصددها تقارير ضافية، يرفعها إلى الحسن الثاني، فحصلت بذلك، تلك العداوة المُبطنة، بين محمد السادس وإدريس البصري، وهو ما يُفسر القرار الذي اتخذه الملك محمد السادس، بالتخلي عنه، بمجرد توليه شؤون الحكم، بل والتعامل معه بجفاء، أرغم "البصري" على اختيار الإقامة في فرنسا، في حالة منفى اضطراري إلى غاية وفاته.

حينما سقط الحسن الثاني ضحية أجهزته الأمنية في خريف العمر      

ثمة مُعطيات متوفرة، تفيد أن الحسن الثاني، سقط في أواخر سني حياته، ضحية للتعتيم المعلوماتي، من طرف مُختلف أجهزة الأمن العامة والخاصة، التي أنشأها بدأب وإصرار كبيرين، طوال سنوات حكمه الثمانية والثلاثين، فمثلا، حينما وقعت سرقات شيكات ومبالغ مالية كبيرة، من غرفة نومه بالقصر، وتهريب وثائق غاية في السرية، إلى خارج البلاد، لم يعلم الحسن الثاني بذلك، إلا بعد فوات الأوان، حيث كان "هشام منداري" المُفترض، أنه مُقترف تلك السرقات، بمساعدة المحظية المُفضلة، لدى الحسن الثاني "فريدة الشرقاوي" قد غادر المغرب، وبدأ في بعث رسائل التهديد للحسن الثاني، السافرة والمُبطنة، من مقامه في الولايات المتحدة الأمريكية، عبر إعلانات مدفوعة الأجر، في كبريات صحف بلاد العم سام، وهو ما جعل الحسن الثاني ينهار جراء شدة صدمة المُفاجأة، ليرحل شهورا بعد ذلك عن الدنيا.المُعطيات ذاتها تؤكد، أن ذلك لم يكن "المقلب" الوحيد الذي تعرض له الحسن الثاني، من طرف أجهزته الأمنية، حيث أن عينه على أمور شؤونه الخاصة "محمد المديوري" المُلقب بالقط، كان يخفي عنه، الكثير من التفاصيل المحرجة، التي كانت تجري في القصر، كما أن رجل ثقته، في إدارة شؤون البلاد "إدريس البصري" كان يعمد إلى مد عشرات الكيلومترات، من الزرابي المُزركشة تحت قدميه، وتعليق صوره الكبيرة في شوارع المدن، خلال زياراته لبعض الأقاليم، ويعمل في نفس الوقت، على إخفاء الكثير من المُعطيات المرتبطة بشؤون السلطة، ومنها مثلا الأوضاع الدقيقة في منطقة الصحراء، التي آلت إلى مُظاهرات فيما بعد. من جانبه، فعل الجنرال حسني بنسليمان نفس الشيء، حيث احتفظ لنفسه بالكثير من المعطيات السرية، في أكثر من ملف خاص وعام. وبذلك حصل اتفاق ضمني، بين كبار مُساعدي الحسن الثاني الثلاثة، المديوري والبصري وبنسليمان، بدون تنسيق (فقد كانوا دائما على خصام وتنافس في بلاط الحسن الثاني) ليُخفوا عنه الكثير من الحقائق الصادمة، وكان ذلك، حسب ما ذهبت إليه نفس المعطيات، بغاية كسب رضى ولي العهد آنذاك، حيث كان واضحا أن الحسن الثاني يعيش آخر أيامه.وتُفيد نفس المعطيات، أن الحسن الثاني أحس في لحظات مُعينة، وهو في حالة اكتئاب شديدة، جراء تسارع تطورات، لم يستطع استيعابها، أنه وقع ضحية تعتيم معلوماتي، من طرف أقرب مُقربيه، لذا فتش عن شخص، يسر إليه بما يختلج بين جوانحه، وكان ذلك الشخص هو الأمير هشام، حيث كان يلتقي به سرا، في قصر الصخيرات، ليناقشا مستقبل الملكية، وصراع الشرق الأوسط، وبعض القضايا العائلية.