الرباط 25- 02- 2009

يحكي عبد الهادي بوطالب، الذي سيكتب خطاب حل البرلمان والإعلان عن حالة الاستثناء، رغم أنه لم يكن مقتنعا بهذا الإختيار، كيف تلقى دعوة من الحسن الثاني وهو في مدينة إفران
قال الملك الراحل لضيفه إن الأمور لا تسير نحو الأحسن. والديمقراطية التي أخذنا بها معطلة. والبرلمان لا ينتج شيئا. إنه لا يزال عقيما. فلم يصدر عنه أي مشروع قانون، ولا مقترح. والبلاد فيها فساد. لذلك أريد، يقول الحسن الثاني، بقرار الاستثناء أن أصلح
_______________________________________________________

لم يكن الحسن الثاني، وهو الملك الجديد المنتشي بحماسه، يتصور أن تستقبله المعارضة البرلمانية المتمثلة أساسا من فريق الإتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي سيحمل في 1975 اسم الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية، بما يشبه العصيان وهو يفتتح إحدى دورات المجلس لقد تقرر أن ينزع الإتحاديون اللباس الرسمي التقليدي المتمثل في الجلباب الأبيض، والسلهام، والشاشية الحمراء، التي اعتبروها رمزا للعبودية وهم يحضرون افتتاح دورة برلمانية يترأسها الملك. وعوضوا ذلك باللباس العصري
لقد شكل وقتها هذا الموقف الحدث السياسي الأبرز الذي غطى عن كل ما حملته كلمة الملك في افتتاح البرلمان. وسجل المتتبعون أنها بداية معركة لن تنتهي بين الحسن الثاني والمعارضة، التي كانت قد حاولت إسقاط حكومة السيد احمد ابا حنيني سنة 1964 وهي تنجح في تقديم ملتمس للرقابة، رأى فيها الكثيرون بعد ذلك بداية شد الحبل بين طرفي النزاع الملك ومعارضته، وهو الشد الذي سيقود إلى انتفاضة الدار البيضاء، وإلى الإعلان عن حالة الاستثناء كانت انتفاضة الدار البيضاء لسنة  1965 بمثابة أول اختبار يدخله الملك الشاب الحسن الثاني. لقد سقط في هذه الانتفاضة آلاف الضحايا برصاص الجيش، وهراوات القوات العمومية. ولم يخف الملك الراحل، في أكثر من مناسبة، أنه كان من وراء إعطاء أوامره لوقف ما كان يعتبره خروجا عن القانون
بل إنه لم يتردد وهو يلقي خطابا بعد الأحداث، في وصف المدرسين بأشباه المثقفين، ووصف السياسيين بمحركي الفتنة.
ويتذكر المغاربة كيف أن الملك الراحل اختار، وهو يلقي خطابه، أن يداعب بيديه سكينا قرأ فيه الكثيرون على أنه بمثابة إشارة على أن الحسن الثاني كان على استعداد لتوظيفه لاستثبات الأمن وفرض احترام القانون. وهو السكين الذي لازمه في جل خطبه، خصوصا تلك التي كان يفضل أن يرتجلها، والتي حملت أكثر من وعيد ومن وصف امتد إلى نعت المغاربة بالأوباش.
كانت الأزمة الاقتصادية قد شدت بخناق المغرب، خصوصا بعد فشل الخطة الخمسية الأولى، التي كانت حكومة احمد ابا حنيني قد وضعتها. ووصل عدد المعطلين في مدينة الدار البيضاء لوحدها إلى أكثر من 300 ألف معطل. وزاد الطين بلة أن وزارة التربية والتعليم قررت إبعاد كل التلاميذ الذين وصلوا سن الثامنة عشر من الثانويات بعد أن وصلهم داء السياسة، وإلحاقهم بالتعليم التقني كان مبرر الملك هو ربط التعليم بعالم الشغل الذي كان في حاجة لمتمرسين، أكثر من حاجته لمتعلمين تعليما عاما. أما التفسير الذي قدمته المعارضة فهي أن تلاميذ المؤسسات الثانوية أصبحوا يشكلون خطرا على النظام لأنهم انشغلوا بالسياسة وانخرطوا في عدد من التنظيمات السرية التي ولدت منها منظمة 23 مارس، وإلى الأمام، والقاعديين..
اندلعت الأحداث في مارس من سنة 1965. لكن الحسن الثاني لم يعلن عن حالة الاستثناء، حينما أغلق البرلمان وأخذ كل السلط بيديه عملا بمنطوق الفصل 35 من الدستور، إلا في يونيو من نفس السنة لقد ظل الجنرال أوفقير يطوف بطائرة الهيلوكبتر فوق سماء الدار البيضاء التي عرفت ارتفاع حدة المواجهات مع قوات الأمن، ويسقط المتظاهرين بقنابله ومدافعه الرشاشة لمدة ثلاثة أيام سقط فيها أكثر من ألف قتيل، ستنكشف بعد ذلك مقابر جماعية دفنوا بها، تماما كما سيدفن قتلى أحداث الدار البيضاء في يونيو من سنة 1981 لم يكن الحسن الثاني يعتبر ما أقدم عليه خطأ، بل هو إجراء ضروري لاستثبات الأمن أما قرار إعلان حالة الإستثناء الذي اتخذه أشهرا بعد ذلك، فقد كان بحسبه، محطة ضرورية من أجل الإعداد لإصلاحات جديدة. هكذا فكر الملك الراحل. لكن خصومه السياسيين رأوا في هذه الخطوة، التي كانت مبكرة وهو يتقلد الحكم، بمثابة إعلان عن سوء نية لما سيقع في المستقبل، خصوصا وأن حالة الإسثتناء التي وصفها البعض بحالة الطوارئ التي توجد في عدد من الأقطار، امتدت لخمس سنوات لقد عاش المغرب الكثير من الأحداث السياسية بسرعة كبيرة.
فقد تم التصويت على الدستور في 1962  ونظمت أول انتخابات تشريعية في 1963 وقدمت المعارضة ملتمس رقابتها ضد حكومة ابا حنيني في 1964  وتم حل البرلمان،  والإعلان عن حالة الاستثناء في 1965، ليحتد الصراع بين المؤسسة الملكية والأحزاب السياسية بعد أن قام الملك بتجميع كل السلط بيده